Getty image



بقلم نشمي عربي، كاتب سوري أميركي يعيش في واشنطن

لعلها مجرد طرفة، تلك التي تداولها الشارع العربي عن الرئيس الراحل أنور السادات، أنه وفي إحدى مواجهاته الحادة مع جمهور معارضيه وأولئك الذين يختلفون مع رؤاه، وفي واحدةٍ من تجلياته التمثيلية المعتادة، هددهم قائلاً:
( إن كنتم نَوَرْ، فأنا أنور، وإن كنتم سادة، فأنا سادات ).
لا أعلم حقيقةً إن كان الرئيس السادات قد قال فعلاً هذه الكلمات، ولكن ما أعلمه علم اليقين أنه إذا كان الأمر يتعلق بالخلافات والإختلافات، على تنوعها، و بالتباينات بكافةِ صنوفها، فنحن السوريون، وخاصةً في المقلب المعارض، أصحاب الولاية، وأهل الإختصاص، وشيوخ الطريقة، وقد وصل المذهب عندنا إلى الغاية في كل مايتعلق بتبادل الإتهامات، بين المعارضين خصوصاً، ومن هنا فإن مشهدنا السوري (الرائع) لن يكفيه أنوَر واحد، فكان لابد لنا من أنوَران … بني و رسلان … نختلف فيهما وعليهما، أما الحديث عن سادة و سادات في الحوار السوري-السوري فلعله لايزال حلماً صعب المنال، أو على الأقل فهذا ماتشي به الصورة الراهنة لدى أطياف عريضة من الجمهور السوري المعارض.
أتكلم عن الزوبعة التي أثارها ويثيرها حكم المحكمة الألمانية بالسجن المؤبد في قضية ضابط الأمن المنشق أنور رسلان، و التي كان محامي حقوق الإنسان البارز أنور البني طرفاً رئيساً فيها.
أعلمُ أنه لا يستقيم أبداً أن أذكر الأنوران في سياقٍ واحد، فالرجلان (ولإعتباراتٍ عديدة) مختلفان في كل شيء، حسبهما أنه قد جمعتهما قضية واحدة، وإن كانا فيها على طرفي نقيض تماماً.
القضية شغلت الرأي العام طويلاً، وإن كانت طبيعتها تلامس نواحي إنسانية عميقة ومهمة لعلاقتها المباشرة بظلم وحيف عظيمين أحاطا بعدد هائل من السوريين الذين كانوا ( بناء على أوراق القضية و مرافعات الشهود ) عرضةً لتعذيب وإساءة واعتداءات جسدية وجنسية وربما تصفيات ممنهجة على يد الجهة التي كان رسلان يعمل لها، فقد كان من الطبيعي لقرار إدانته والحكم الصارم الذي أصدرته المحكمة الألمانية بحقه أن يُمثَّلَ نوعاً من التعويض المعنوي على الأقل للضحايا وذويهم، إلا أنه قد أثار أيضاً على مايبدو كماً مهولاً من الحنق والغضب والتوجس لدى شريحة مهمة من المعارضين، تحديداً في صفوف العديد من الضباط المنشقين الذين رأوا في الحكم جوراً وظلماً شديدين طالا ليس رسلان فقط، بل ربما (في شعورهم الذي لم يخفوه أبداً) يطالهم أو قد يطالهم مستقبلاً.
التعقيد والحساسية الشديدين في هذه القضية مبرران، فأنور البني محام سوري معارض له باع طويل في قضايا حقوق الإنسان وقد ناله شخصياً ماناله من ظلم وتوقيف وسجن، وربما تعذيب أيضاً، هو اليوم منسجم تماماً مع قناعاته التي آمن بها دوماً في أن يكون مع شعبه في الطرف المعارض للنظام بكل مايمثله من تسلط أمني طاله هو شخصياً كما طال العديد من السوريين، هذا في الإطار العام، أما فيمايتعلق بقضية رسلان تحديداً فهو طرف رئيسي فيها، علناً وعلى رؤوس الأشهاد، لم يحاول أن يخفِ موقفه هذا للحظة واحدة، كان واضحاً وصريحاً ومباشراً منذ اللحظة الأولى في أنه في صف الضحايا والإدعاء، وفعل كل ما استطاع لدعم قضيتهم ضد المتهم أنور رسلان، الذي تشاء الأقدار أنه وقت إثارة القضية ضده كان قد قرر الإنشقاق عن النظام والإلتحاق بصفوف المعارضة.
لا أعلم تفاصيل ودقائق ظروف انشقاق أنور رسلان لذلك لايمكنني التعليق عليها، ولكن من ناحية المبدأ فأن يقرر ضابط أمن بأهميته من خلال موقعه وأهمية الجهة التي يعمل لها، أن ينحاز لصفوف السوريين ويغادر موقعه المهم وينضم لصفوفهم فهذا لايمكن النظر إليه إلا بإيجابية شديدة، خصوصاً وأنه (ضمن حدود ماأعلمه) لم يكن مضطراً أو مجبراً على خطوته هذه، وربما من هنا تحديداً أتفهم تعاطف الضباط المنشقين معه، فالعديد من هؤلاء الضباط كانوا أيضاً يشغلون مواقع نافذة في بعض التشكيلات المهمة و المؤثرة، عسكريةً كانت أو أمنية، وبشكل أو بآخر فهم كانوا جزءاً من النظام، وهذه لاينبغي أن تكون سبةً عليهم فهم في النهاية كانوا في عداد قوى الجيش و الأمن اللذان يفترض أنهما جيش الوطن و أجهزة أمنه، خصوصاً وأنهم في اللحظة الفاصلة اتخذوا موقفاً نبيلاً و شجاعاً ومسؤولاً وانحازوا إلى صف أبناء شعبهم في تحركهم السلمي المدني الأهلي المطالب بالحرية والديمقراطية التي طالما حلموا بها جميعاً، ولم يرتضوا أن يكونوا جزءاً من آلة القمع والتنكيل.
أتفهم أيضاً مدى الصعوبات وحجم المخاطر التي يمر بها العسكريون عموماً والضباط خصوصاً، هم وعائلاتهم، في رحلة انشقاقهم والتي من الممكن أن تودي بهم جميعاً، ولعل في ذلك ما قد يبرر هذه الحساسية الشديدة التي قابل بها العديد من الضباط المنشقين الحكم الصادر بحق أنور رسلان، خاصةً وأن الرجل انضم لصفوف المعارضة وربما قد ساهم لاحقاً في بعض نشاطاتها أو اجتماعاتها.

من الحجج التي يسوقها الضباط المنشقون وغيرهم في هجومهم على قرار المحكمة الألمانية بالسجن المؤبد بحق رسلان أنه بمثابة رسالة لكل ضابط يفكر بالإنشقاق عن المنظومة الأمنية أو العسكرية للنظام بأنه قد يواجه مصير رسلان، مما سيزيد في تماسك ولحمة النواة الصلبة المؤيدة للنظام في الجيش والأمن، ولعله من هنا كان حصيفاً تأجيل هذه المحاكمة على الأقل، أو التريث في إصدار الحكم، قد يملك بعض من لم يتعرضوا هم أو أقاربهم أو أصدقاءهم للتعذيب في فروع الأمن أن يتمسك بمنطقية هذا الطرح، ولكن هل يملك الضحايا أو ذويهم أو أصدقاءهم رفاهية الإقتناع به بعد كل الذي تعرضوا له في هذه الفروع ؟ و السؤال الأخلاقي والإنساني والقانوني الذي يطرح نفسه أيضاً هو هل باستطاعة أو من حق أي كان أن يطلب منهم ذلك؟
قد أتفهم بعض الحجج التي يسوقها بعض الضباط المنشقين وكذلك هواجسهم وتخوفاتهم، ومن حقهم انتقاد قرار المحكمة كما يشاؤون، وإن كان في هذا تناقضاً صارخاً مع فكرة انشقاقهم من أساسها والغاية التي كان من أجلها هذا الإنشقاق.
ما لا أتفهمه على الإطلاق هو هذه الهستيريا الملفته في كيل الإتهامات للمحامي أنور البني التي أقل مايمكن أن يقال فيها أنها ببساطة شديدة غير صحيحة على الإطلاق وتجافي أي منطق ولا تصلح حتى كسيناريو لأفلام الخيال الغير علمي.
هذه الإتهامات بلغت حداً من البؤس الشديد أنها جعلت أنور البني والنظام و اليمين الأوروبي المسيحي المتطرف وماري لوبان و رفعت الأسد و الإخوان المسلمين جميعاً شركاء في مؤامرة دنيئة لتجريم الضابط (السني) أنور رسلان …. وأن القضاء الألماني هو طرف في هذه المؤامرة الدولية الحاقدة على (السنة) … وكذلك بأن أنور رسلان لو كان علوياً لما تجرأ كل هؤلاء (المتآمرون الدوليون) على المساس به…!! لا تتوقف الإتهامات عند هذا الحد بل تذهب لدرجة أن كل هؤلاء المتآمرون الدوليون إنما يعاقبون (السني) أنور رسلان لأنه انشق عن النظام …!!!

هذه الإتهامات تذكرني بإتهامات شبيهة بها لحد التطابق حول المؤامرة الكونية الوهابية العثمللية الإمبريالية الصهيونية التي تعرضت لها سورية التي كانت ترفل بالنعيم السياسي والإقتصادي والإجتماعي قبل 2011 ……!!!!!
أربأ بضباط وطنيين وقفوا في صف شعبهم ولاشك لدي في وطنيتهم للحظة واحدة أن يرددوا مثل هذه المقولات التي لا تصلح حتى لمجلة تان تان والتي تسيء لهم لا لأنور البني الذي لا أعرفه ولم أتكلم إليه لمرة واحدة في حياتي، وأتمنى عليهم أن يعودوا إلى عقولهم للحظة واحدة، وسأكون أكثر صراحةً ووضوحاً وأقولها لهم بالفم الملآن وبكل صدق وشفافية ومحبة بأن طريقة التعاطي هذه مع قضية أنور رسلان لا تشي أبداً بالقدرة على القيام بدور فاعل وإيجابي في حل للمأساة السورية كان الأمل ولايزال معقوداً عليهم أن يكونوا القوة الدافعه له ومن أجله بعد أن وقفوا وقفة الضمير والشرف مع ثورة شعبهم.
أعرف وأعي تماماً كل الضغوط التي مورست على هؤلاء الضباط الشرفاء الذين رفضوا أن يكونوا ضمن آلة قمع أبناء شعبهم، وأعلم أن أغلبهم يعيشون ظروف حياتية أقل من بائسة بعد أن تم تهميشهم من قبل كافة الأطراف لصالح تنظيمات ميليشياوية لا تمت للشعب السوري بصلة، بل تنفذ أجندات غير سورية بالمطلق، ولكن الأوضاع البائسة لا تبرر مواقف وآراء أكثر بؤساً وبعيدة كل البعد عن أي منطق.
لا أريد أن أحمل مسؤولية هذه الطروحات بالمجمل للضباط المنشقين وهم الفئة التي تحملت أكثر من الجميع، وخاطرت أكثر من الجميع، وتعرضت للتهميش والحصار أكثر من الجميع، فهذه الطروحات مع الأسف ماهي إلا صدى و انعكاس لذهنية سورية كاملة كانت تستولي على عقول الكثيرين قبل 2011 بفعل التصحر و الجفاف السياسي الذي عاشته سورية منذ 1963 وحتى اليوم، ثم أتت المأساة السورية الكبرى التي طحنتنا جميعاً و حالة التنكر التي تعرض لها السوريون من قبل الكثير من الدول و الشعوب في أزمتهم لتزيد في عمق و بؤس هذه الذهنية بطروحاتها البائسة التي لاتحمل أي خير للسوريين …. فعن أي ذهنية أتحدث ؟
أتحدث عن صناعة ( المخيال السوري ) التي برعنا بها جميعاً، و سخرنا كل مواهبنا لأجلها، هذا المخيال الذي يؤمن بالماسونية العالمية والغرف السوداء المظلمة التي تتحكم بالعالم، والمجلس المللي العلوي الذي يحكم سورية ، والتآمر العالمي على السنَّة، والغرام الأمريكي الأوروبي بالشيعة، وتآمر أجهزة الإستخبارات العالمية مع الولي الفقيه ومشروع (علونة) سورية إلى آخر هذه التخرصات التي لا تمت لأي واقع بصلة، وقد اخترنا أن نؤمن بها ونضيع في تعقيداتها.
المظلومية السنية المزعومة التي من خلالها يتم النظر إلى قضية أنور رسلان وأن القضاء الألماني طرف فيها هي أمر لا يمت للواقع بصلة.

لا أنكر للحظة واحدة أن هناك خطأً أمريكياً مفصلياً تمثل في غزو العراق نتج عنه تمدد كبير لإيران في المنطقة ، وقد يكون هذا الخطأ مقصوداً ، ولكن ذلك لايعني أنه انتصار للشيعة ضد السنه، هذه الحسابات كلها غير واردة في العقل الأمريكي، الحسابات كلها سياسية وسياسية فقط.
لم أؤمن يوماً بالطرح الطائفي و الحلول للمأساة السورية لن تتم إلا من خلال طرح وطني يشمل كل سورية و سوري ولا يستثني أحداً منهم ، آخر شيء من الممكن أن يفيد السوريين في مأساتهم التي طالت كثيراً وقد تطول أكثر هو أن ينقادوا لغرائزهم و يؤمنوا بتقليعة (المظلومية السنية) التي لن تخدمهم وسيدفعون ثمنها غالياً ، السنة قبل غيرهم .
الشرفاء من ضباط الجيش العربي السوري الذين رفضوا أن يكونوا في صف الجلاد والذين تحولوا اليوم إلى ضحايا التهميش و أجندات الدول المنخرطة في الشأن السوري هم آخر من يتوقع منهم السوريون أن ينقادوا لذهنية ( المخيال ) … ذاك الوحش الذي صنعناه جميعاً … ليأكلنا جميعاً.

نشمي عربي

2 thoughts on “للسوريين أَنْوَرَان.. فهل من سادات ؟”
  1. تصحيحاً لمعلوماتك وفيها الكثير من الأخطاء وكمافهمت ليست مقصودة كونك غيرملم بالقضية أوضح لك رسلان انشق عام 2012 هرب الى الاردن نجامن محاولة اغتيال من النظام وطلب اللجوء الى المانيا وفوروصوله طلب من الحكومة حمايته وشاهده البني صدفة بالشارع عندها رفع دعوى ضده وتكلمت انا مع البني في هذا وقال ان رسلان صفعه كف يوم كان موقوف وقلت للبني لم لم ترفع دعوى ضد بفعت اسد فغادرالتجمع الذي كان معي فيه والمدعي العام للمحكمة لوقت ليس ببعيد يقول لاأدلة تدين رسلان واعتقد ان الشهود هم شهود زور من قبل النظام \ يوم كان رئيس فرع افرج عن 200 موقوف من الزبداني مماجعل النظام ينقله لمكان آخر

    1. كون البني لم يرفع دعوى ضد رفعت الأسد لايجرده من حقه في مقاضاة رسلان أوغيره.
      الضحايا وحدهم هم من يحق لهم أن يقرروا إذا كانوا يريدون مقاضاة المتهم أم لا ، وعليهم الحجة في ذلك …
      اذا كان عندك دلائل على أن الشهادات كلها شهادات زور لماذا لاتتقدم بها للقضاء ؟
      أنا لم أتبنى أي موقف ولم أدعي للحظة واحدة معرفتي بتفاصيل انشقاق رسلان بل كنت واضحاً بالقول أنني لا أعرفها … فأين الخطأ إذاً ؟

اترك رد