Getty image

بقلم زيد العظم

للشعبوية صنوف متعددة، وللشعبويين طرائق مختلفة في خطاباتهم، التي من شأنها تهييج العامة والدهماء ومغازلة غرائزهم والاستثمار في مخاوفهم بدلا من تذليلها ووضع حلول ناجعة لتجاوزها أو لتبسيطها على أقل احتمال.

ليس الخطاب الشعبوي الغرائزي قاصرا فقط على النيل من أصحاب البشرة السمراء أو إهانة المواطنين من الأصول الأجنبية وتشبيههم بالجراثيم الواجب تطهير الشوارع منها واستئصالها وكأنها غدد سرطانية تفتك بجسد المجتمع أو ببنية الدولة. فللخطاب الشعبوي صور مختلفة وألوان متعددة، يندرج منها مثلا الوعود الخلبية ومعسول الكلام البراق الساحر، الذي يجعل الموعود يبحر في أمواج الوهم والخيال.


هم ذاتهم من يبيعون الخوف لديهم قدرة التلون بسرعة، والانتقال إلى الطرف الآخر، ليخرجوا من جعبهم بضاعة من نوع مختلف، بيع الأمل وتسويق الوهم، وطرح وعود من المستحيل تحقيقها، وهم أول من يعلم علم اليقين بأن هذه الوعود لا أرضية لتحقيقها سوى مخيلات أولئك الموعودين بتلك الأماني البراقة.

في فرنسا مثلا يطلق بعض المرشحين العنان للمخيال الانتخابي قبل أقل من 3 أشهر على بدء الانتخابات الرئاسية الفرنسية، ويبدؤون بعرض أحلامهم الوردية علها تكون سهاما تصيب أفئدة المستمعين فتدفعهم إلى التصويت لذاك الحاوي أو تلك الحسناء.

مرشحة اليمين المتعارف عليه باليمين الديغولي، المرشحة فاليري بيكريس، لديها ماكينة ثقيلة لاتصدأ، تصلح تماما لتلك الأماني والوعود البراقة في الشكل، الخالية من المضمون.


فآخر انتاجات تلك الماكينة الشعبوية مشاريع جذابة، لكن للأسف لاتصلح في عالم الواقع على الإطلاق.

لقد قدمت اليوم وفي لقاء صحفي لها، المرشحة فاليري بيكريس، برنامج يقضي بإلغاء الكثير من الرسوم على التركات وتخفيض الضرائب المفروضة على الأموال الإرثية في فرنسا، وجنحت تعد الفرنسيين بإعفاء قيمة المئتين ألف يورو المورّث للأطفال من أي رسم لخزينة الدولة الفرنسية. كما وعدت بإعفاء قيمة المئة ألف اليورو من الرسوم مرة واحدة كل 6 سنوات عوضا عن 15 سنة.

المشكلة ليست في الوعود ذاتها وعدم واقعيتها وعبئها الباهظ الثقيل على الدولة الفرنسية فقط، بل الطامة تكمن في معرفة بيكريس وفريقها بأن هذه المشاريع لا تستطيع الدولة الفرنسية تحملها على الإطلاق وبأي شكل من الأشكال، لأنها تحرم فرنسا من موارد مالية هامة هي بأمس الحاجة إليها بعد فترة الوباء التي عصفت باقتصاديات العالم على مدار سنتين.

من المستحيل أن نحرم صندوق الضمان الاجتماعي في فرنسا موردا ماليا في غاية الأهمية كتلك الرسوم المالية المفروضة على الضرائب والتركات.

بل إنه من واجب الوفاء ثم من دافع مصلحة الفرنسيين، أن لا ننسى دور ذلك الصندوق الاجتماعي الفرنسي الذي ساند الشركات والموظفين على حد سواء ودعمهم في أزمات الوباء الاقتصادية، إذ شهد البنك الدولي بالديناميكية الفرنسية في استيعاب تبعات الجائحة الاقتصادية.

التكافل هو المبدأ الثاني من مبادئ الجمهورية الفرنسية، التي ومن خلال هذا التكافل تضمن فرنسا لأكبر شريحة من الفرنسيين مستوى حياة لائق وخدمات طبية جيدة وسكن اجتماعي حسن.. لكن ماكينات اليمين الشعبوي التي تعلم كما ذكرنا علم اليقين دور الرسوم المفروضة على الضرائب في تغذية ذلك التكافل، تستثمر في إيهام الناس بأنها ستلغي تلك الموارد وهذا ليس إلا ضرب من ضروب الخيال.

اترك رد