بقلم نشمي عربي، كاتب سوري أميركي يكتب من واشنطن.

أن يوفد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني نجله البكر وولي عهده الأمير الحسين إلى بيت عزاء النقيب محمد ياسين الخضيرات في قرية دير السعنه التابعه لمحافظة إربد لتقديم واجب العزاء فذلك ليس بالأمر المستغرب أو المستهجن، الهاشميون حافظوا دوماً على حبل تواصل وجداني مع شعبهم، ولديهم حساسية عالية لمشاعر الأردنيين خصوصاً في ظروف المصائب والأزمات، ترتفع هذه الحساسية لحدودها القصوى عندما يتعلق الأمر بالعشائر الأردنية، فمابالك إذا كان المصاب يمس أحد أبناء العشائر في الجيش الأردني، حصن الهاشميين الحصين، والذي أرادوه دوماً جيشاً (عربياً مصطفوياً ) كما كانت تتم الإشارة إليه في أدبيات السياسة الأردنية أيام الملك الراحل الحسين بن طلال.

https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5803431928057395

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});


ظروف استشهاد النقيب الخضيرات وإصابة مجموعته بجراح اقتضت اسعافهم، و كما جاءت في بيان المصدر المسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي ( أنه وفي تمام الساعة الرابعة من فجر اليوم الأحد، وعلى إحدى الواجهات الحدودية الشمالية الشرقية أطلقت مجموعة من المهربين النار على قوات حرس الحدود، فتم الرد بالمثل وتطبيق قواعد الاشتباك مما دفع المهربين إلى الفرار داخل العمق السوري ). 
الأمر إذاً حسب الناطق الرسمي للجيش الأردني يتعلق بعملية تهريب فر المهربون ( بعد تطبيق قواعد الإشتباك ) إثرها إلى العمق السوري، بما يوحي دون أي لبس بأن هذا العمق السوري هو الجهة التي أتى منها المهربون. 
عشيرة الخضيرات بدورها و في بيانها الذي نشرته وسائل الإعلام الأردنية شاكرةً كل من قاموا بواجب تعزيتهم كانت أكثر تحديداً في الإشارة لواقعة استشهاد النقيب الخضيرات، كما جاء في البيان: ( الذي ارتقى شهيدا في ليلة قارسة البرد، وفي مكان موحش مقفر، حيث جعل جسده سياجا ودرعا للوطن، وتلقى بصدره رصاص الغدر من تجار السموم؛ ليدفع عن أبناء الوطن أذاهم، ملتحقا بكوكبة الشهداء السابقين ). 
الأمر إذاً يتعلق بتجارة السموم كما وصفها بيان العشيرة، وليس تهريب سلاح أو آثار مثلاً، أو أي شيء آخر … هنا تكتمل تقريباً صورة ماحصل: 
عملية تهريب مخدرات تستهدف السوق الأردنية، انطلاقاً من الأراضي السورية، 
تقوم بها جماعات مسلحة قادرة على عبور الحدود السورية الأردنية بقدرة تسليحية مكنتها من مواجهة تشكيل عسكري نظامي وإيقاع خسائر فيه بين شهيد و عدة جرحى، 
ومن ثم فهي قادرة على العودة والتراجع إلى العمق السوري دون أية عوائق واجهتها من قبل السلطات السورية في القدوم ومن ثم العودة، على الرغم من أن المنطقة بحكم الأحداث التي شهدتها و تشهدها تخضع لسيطرة كاملة للقوى العسكرية والأمنية السورية و الميليشيات المساندة لها من فصائل عديدة أهمها حزب الله اللبناني …

https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5803431928057395

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});


حتى الآن ليس في الأمر مايدعو للإستهجان، فعمليات تهريب الكبتاكون وغيره من المواد المخدرة المحظورة من سوربة باتجاه دول عديدة ليست بالأمر الجديد ومعروف تماماً من يقف وراءها في سورية تصنيعاً وترويجاً وتصديراً وتداخل كل ذلك مع التجاذبات والإبتزازات السياسية التي تحكم علاقات النظام مع دول عديدة، بما صار من الممكن بسهولة تسميته اصطلاحاً بسياسة الكبتاكون أو: 
“The Captagon Diplomacy”
الأمر الذي يدعو حقاً للإستهجان والإستغراب الشديدين هو أن هذه العملية تحديداً تمت بالتزامن مع زيارة أيمن الصفدي نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني إلى واشنطن والتي قابل فيها كلاً من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن وكبار مسؤولي الإدارة في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي، وأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، ومنظمات ومراكز بحثية وأكاديمية أمريكية. 
أستند في قراءة العناوين العريضة للزيارة لما جاء في البيان الرسمي لوكالة الأنباء الحكومية الأردنية (بترا) والتي لخصتها في: 
(بحث سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين المملكة والولايات المتحدة في مختلف المجالات والتركيز على مذكرة التفاهم الجديدة التي يعمل البلدان على إنجازها، والتي تُمثل الإطار الذي يحكم تقديم المساعدات الأميركية السنوية للأردن، والتي وصلت العام الماضي إلى حوالي مليار وستمائة مليون دولار أميركي. وكذلك بحث القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مُقدمها جهود إيجاد أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية وتحقيق السلام العادل على أساس حل الدولتين، وجهود التوصل لحل سياسي للأزمة السورية). 
تفاصيل ماحدث خلف الأبواب المغلقة في لقاءات الصفدي في الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي ستبقى في حدود البيانات الرسمية التي تصدر عن الجانبين، الأردني والأميركي، و التي ليس من الضروري أن تفصِّل في كل النقاط التي جرى البحث فيها، الأمر الذي يكون مختلفاً تماماً عندما يتعلق الأمر بحلقات البحث التي حضرها الصفدي في المراكز البحثية والأكاديمية الأميركية، ولمن يعرف واشنطن جيداً فهي بمثابة ورشات العمل أو المطابخ الحقيقية للحدث السياسي الراهن، وإذا كنت لا أجنح للمبالغة في أن أقول أنها تشارك في صناعة هذا الحدث، فهي على الأقل تواكبه وتتعاطى فيه ومعه، وبعمق. 
الهمس السياسي ( الغير خافت أبداً ) في واشنطن هو أن زيارة الصفدي تسعى إلى حصول الأردن على استثناءات جديدة من “قانون قيصر”، الخاص بالعقوبات الأمريكية على الحكومة السورية تتيح له تحقيق المزيد من التقارب الإقتصادي و السياسي مع النظام السوري. 
السياق الذي أنت فيه زيارة الصفدي ينسجم مع مثل هذه التسريبات من واشنطن، خصوصاً أنها تأتي بعد بدء مرحلة جديدة في علاقات الأردن بالنظام السوري دشنتها المكالمة الهاتفية بين رأس النظام والملك الأردني في 3 أيلول/سبتمبر الماضي، وهي تنسجم كذلك مع تصريحات الوزير الصفدي لمحطة ال CNN الأمريكية خلال الزيارة، وما جاء فيها في حديثه عن (الأزمة) السورية: 
( في الأردن، كنا الجانب المستقبِل لتلك الأزمة، 1.3 مليون لاجئ سوري في الأردن وتهديد الإرهاب من الحدود، وما نراه الآن وبعد مرور 11 عاماً على الأزمة يجب علينا أن نفعل ما بوسعنا لحلها وليس أن نضاعف من نهج قد لا يوصلنا إلى أي نتيجة، وبالتالي ما علينا فعله، بالتعاون مع الولايات المتحدة وشركائنا هو أن نحاول الوصول إلى مسار تجاه حل سياسي ). 
ماذكره الوزير الصفدي حول الضغوطات الإقتصادية التي وضعتها (الأزمة) السورية (كما يسميها) على بلده مهم وحقيقي، فالأردن بلد محدود الموارد فعلاً، ولكن الأهم والحقيقي الذي لم يذكره الوزير الصفدي أن الضغوط الإقتصادية المؤثرة التي تعرض لها الأردن في السنوات الأربع الأخيرة لم تكن فقط بفعل (الأزمة) السورية التي يتقاضى الأردن تعويضات مهمة عن الوجود السوري فيها من المجتمع الدولي وكذلك إسهامات العديد من رؤوس الأموال وأصحاب الأعمال السوريين في الأردن الذين صارت مداخيلهم جزء من الدورة الإقتصادية الأردنية، وإنما هناك عامل مهم جداً لم ولن يذكره الوزير الصفدي وهو أن الأردن في السنوات الأربع الأخيرة والتي هي في الحقيقة سنوات حكم الرئيس ترمب، قد تعرض لضغوط إقتصادية خليجية مؤثرة جداً بسبب موقفه من صفقة القرن التي كانت تدعمها دول خليجية وازنة ومن ورائها موقف داعم جداً للصفقة من قبل إدارة الرئيس ترمب. 
هذه الضغوطات لم تعد موجودة اليوم، فإدارة الرئيس بايدن ليست متحمسة أبداً لصفقة القرن كسابقتها، وعلى العكس فهي تشجع الدول الخليجية التي كانت تدعم الصفقة على معاودة تفعيل دعمها الإقتصادي للأردن، ومن يقرأ تصريحات الوزير الصفدي خلال الزيارة والمتعلقة بالموضوع الفلسطيني سيلاحظ فوراً أن المرجعية التي تمت الإشارة إليها في المساعي الأردنية الأمريكية المشتركة لإيجاد حل للقضية الفلسطينية عادت لتتحدث عن حل الدولتين كأساس وحيد لمعالجة القضية الفلسطينية، أي أن صفقة القرن بضغوطاتها الإقتصادية الأميركية/الخليجية على الأردن أصبحت شيء من الماضي، ومن يقرأ جيداً في العلاقات الأردنية الأميركية يدرك أن الأردن تاريخياً يتنفس مليء رئتيه عندما تكون الإدارة الأميركية ديمقراطية تحديداً. 
رغم ذلك يبقى قرار الأردن بالإنفتاح على النظام السوري أمراً سيادياً بحتاً تفرضه مصالح الأردن الإقتصادية والأمنبة، ولكن الواقعية السياسية (التي عرف بها الأردن دوماً ) تفرض الحاجة إلى طرفين ملتزمين بشروط إطلاق أي عملية تفعيل علاقات سياسية و إقتصادية بينهما، من هنا فلا أدري حقيقةً كيف يقرأ الأردن الرسمي ماجرى في دير السعنه متزامناً مع خطوات تفعيل العلاقات مع النظام السوري !!؟؟  
الإجابة على ذلك مستحقة وواجبة ليس للشعب السوري فقط، بل ربما تكون مستحقة أكثر لعشيرة الخضيرات ولأهالي الجنود الجرحى الذين أصيبوا في نفس الإشتباك الغادر. 
إذا كانت محاولات الأردن إعادة الإنفتاح على النظام السوري تخضع لضغوطات إقتصادية حقيقية لايمكن إنكارها تثقل كاهل الأردن بموارده المحدودة، فإن محاولات دولة مثل الإمارات العربية المتحدة ( بما تمثله من رخاء إقتصادي وإجتماعي ) الإنفتاح على النظام السوري تستند إلى وجهة نظر سياسية مهمة وهي أن أي إعادة إستيعاب لسورية ( النظام و البلد ) ضمن المنظومة الرسمية العربية سوف تؤمن ابتعادها عن النفوذ الإيراني الذي صار اليوم يهدد المنطقة كلها، ولعل الإخوة الإماراتيين قد حصلوا على مايمكن تسميته بإشارات (عدم ممانعه) أميركية لخطواتهم باتجاه النظام، لا أظنها ترقى إلى موافقة أو تشجيع، بمعنى أنه إذا نجحت الخطوات الإماراتية بعزل سورية عن النفوذ الإيراني فهو أمر حميد، وإن لم تنجح فهي خطوة تستحق المحاولة، وفي النهاية فإن الأميركان لا يتبنونها بمعنى أنهم لن بكونوا مسؤولين عن مفاعيل فشلها. 
لا أشك للحظة واحدة بأن القائمين على السياسة الخارجية في الإمارات يدركون تماماً أن النظام وإن امتلك إرادة الخروج من دائرة النفوذ الإيراني فهو لايمتلك القدرة على القيام بذلك، وهذا يقودني إلى الحديث عن السبب الحقيقي الذي يدفع دولة الإمارات للإنفتاح على نظام يختلف عنها في كل شيء، على الأقل فيما يتعلق بماقدمه لشعبه، وما قدمت دولة الإمارات لشعبها. 
أعتقد جازماً أن الإخوة في الإمارات ( كما الإخوة في الأردن ) قد تأثر موقفهم من الثورة السورية بأمرين مهمين: أولهما حالة توجس شديد لدى البلدين من الإسلام السياسي عموماً وما حدث في مصر خصوصاً، و ثانيهما أن التيارات ذات التوجه ( الإسلاموي ) خلال فترة قصيرة أصبحت هي صاحبة التأثير الأقوى في تيارات المعارضة السورية عموماً، حدث هذا بفعل عوامل عديدة و معقدة لا يتسع المقال هنا لذكرها، زاد في حالة الريبة و التوجس تلك الأداء الكارثي لأغلب المعارضات السورية و الذي كانت له أسبابه الذاتية و أخرى فرضتها ظروف خارجة عن إرادتها.
كنا نتمنى على الإخوة في الإمارات ( على الأقل تماشياً مع هواجسهم و توجسهم ) أن يدعموا التيارات المدنية الليبرالية السورية التي كانت تشكل النواة الأساسية للمعارضة السورية و صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير الديمقراطي في سورية، خاصةً و أن أطراف خليجية و إقليمية أخرى قد تكفلت بتأمين دعم مادي و لوجيستي خيالي للتيارات ذات التوجه الإسلامي في المعارضة جعلتها هي الغالبة و بفارق كبير لصالحها استخدمته في تهميش كافة التيارات الأخرى في المعارضة السورية. 
اليوم و قد خرج الشأن السوري من دائرة أي تأثير عربي و تحول إلى مجموعة عقد إقليمية و دولية فإننا لا نستطيع أن نقيم خطوة الإمارات في انفتاحها على النظام إلا من خلال مدى نجاحها في تحقيق الهدف المعلن منها وهو عزل النظام عن دائرة النفوذ الإيراني الذي صار يهدد المنطقه كلها، فهل هناك حظوظ في أن تنجح الخطوة الإماراتية في تحقيق هدفها المعلن هذا ؟ 
إذا كانت مؤشرات نجاح أو فشل الجهود الأردنية في تفعيل علاقات طبيعية متوازنه مع النظام قد بدت واضحة بشكل لا لبس فيه في إشتباك دير السعنه الحدودي بكافة دلالاته التي تتجاوز حجمه فإن مؤشرات مدى نجاح أو فشل الجهود الإماراتية في عزل النظام عن إيران قد أتت بشكل أكثر قساوةً و فداحةً عندما رأينا أبوظبي العاصمة العربية تتعرض نهاراً جهاراً لقصف صاروخي يطال مدنييها و يحدث خسائر بشرية و مادية و كلنا يعلم من وراء القصف و من هم داعميهم و مشغليهم في طهران، و النظام السوري ليس لديه القدرة على شجب الإعتداء السافر على الإمارات و لو بتصريح إعلامي فاتر من قبيل ذر الرماد في العيون … فهل في هذا أي مؤشر على حظوظ نجاح الخطوة الإماراتيه بأن تبعد النظام عن إيران ؟ 
اللافت الذي أتمنى ألا يفوت الإخوة الإماراتيين أن السوريين العاديين المعارضين للنظام في الإمارات و خارجها ، ممن يلتقون في مواقفهم السياسية و الفكرية مع الإمارات أو لا يلتقون ، كلهم شجبوا الإعتداء الذي تعرضت له أبوظبي و بأقسى العبارات .. فهل من مؤشر يستفاد منه ؟ 
الرئيس الأميركي الراحل نيكسون في سعيه للإنفتاح على الصين اتبع ما سمي وقتها بدبلوماسية البينغ بونغ ، ( كرة الطاولة ) والتي استندت إلى وجود قوتين حقيقيتين هما الولايات المتحدة و الصين و رغبة عميقة لدى الطرفين على كسر الجليد بينهما بعد مواجهات حادة أضرت بالبلدين. 
النظام السوري الذي تحولت علاقته مع إيران من حليف أيام الأسد الأب إلى تابع أيام الأسد الإبن صار طرفاً في ديبلوماسية جديدة على المنطقة كلها ، رأينا و نرى نتائجها كل يوم ، من دير السعنه إلى أبوظبي، فما هي أدوات الأطراف العربية في تعاملها مع هذه الديبلوماسية ؟ 
وهل للشعب السوري أي مكان في هذه السياسات كلها ؟ 

نشمي عربي.

https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5803431928057395

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

اترك رد