بقلم نشمي عربي كاتب سوري أميركي يعيش في واشنطن.

المغربي ريان و السوري محمد قطيفان ،

طفلان استحوذا على مشاعروعواطف المغاربة و السوريين، وكثيرين غيرهم.

التعاطف و التفاعل العربي و الدولي مع قضية الطفل المغربي ريان العالق في البئر كثيف ومدوي،والتعاطف مع قضية الطفل السوري المختطف محمد قطيفان خجول و مخجل.

ربما قدر السوريين أن لا بواكي لهم.

رغم ذلك فأنا أضم صوتي بالدعاء مع الداعين لنجاة الطفلين،ليس فقط لأن الطفولة واحدة لا تتجزأ،

و لا لأن الدعاء للطفل ريان لن ينتقص من الدعاء للطفل محمد قطيفان،ولا لأن ريان سقط في البئر في غفلةً من والديه بينما الطفل قطيفان وسورية كلها سقطت “في غفلةٍ من الزمن” في بئر حفره سوريون، مدعومون من شذاذ آفاق مافيات تحت يافطة (دولة عظمى) و أفاكون تحت ستارة (جمهورية إسلامية) … و عندما تداعى “أصدقاء الشعب السوري” لانتشال سورية والسوريين من بئرهم العميقة، ربما ارتؤوا أن ردم البئر بما فيها وعلى من فيها قد يكون أجدى ، و أكثر أمناً لهم.

وعندما أردنا كسوريين أن ننقذ أنفسنا من غرقنا و بؤسنا، تدافعنا بكل ما أوتينا من قوة و فصاحة و بلاغة، فتبادلنا الإتهامات، و التخوينات، والشتائم، حتى انهارت كل الأراضي المحيطة بالبئر ، وصرنا جميعاً في خبر كان.

ليس لأجل هذا كله فقط أدعو لنجاة الطفلين معاً.

بل لأنني لا أنسَ أن المغرب و المغاربة تعاطفوا وجدانياً مع مأساة الشعب السوري،

وفتحوا قلوبهم و بلادهم لاستقبال السوريين في حدود ما يسمح به أمنهم و اقتصادهم.

ولا أنسَ أن المغرب الذي لم يخضع للحظة واحدة في تاريخ صراعه مع الجزائر حول صحرائه لأي ابتزاز ولم يتهاون حتى عندما تعلق الأمر بمغاربة ، قد تساهل في قضية العائلات السورية التي رحلتها الجزائر و بقيت عالقة على الحدود لأسابيع، إلى أن صدرت إرادة محمد السادس السامية باستقبالهم جميعاً في قرارٍ استثنائي غير مسبوق في تاريخ التجاذب السياسي بين البلدين الجارين.

في مدينة شفشاون الساحرة ، عروس الأطلس ، التأم شمل المغاربة كأسرة واحدة ، شعب و حكومة و ملك ، لانتشال طفل ،

والسوريون تشتتت بهم السبل، بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت …

التئام شمل الأسرة المغربية الواحدة لم يبدأ اليوم حول بئرٍ في إحدى ضواحي شفشاون، ولا في الأمس، ولا قبله ، بل قبل ذلك بكثير …

بدأ التئام شمل الأسرة المغربية عندما وقف محمد السادس بكل رجولة يوم تسلم عرش المغرب ليعتذر لكل مغربية و مغربي عن أي ظلم أو إساءة تعرضوا لها أيام حكم أبيه الراحل.

كذلك عندما أمر بإغلاق سجن ( تزمامارت ) الرهيب مرةً و للأبد ، وإطلاق كل من فيه، بمافيهم اولئك الذين حاولوا الإنقلاب على أبيه.

التأم شمل الأسرة المغربية عندما قرر الحسن الثاني أن يفاوض اسرائيل في العلن ، بعدما حاربها في العلن في تشرين 1973, تشهد على ذلك دماء تجريدته المغربية الطاهرة التي روت تلال الجولان.

وعندما قرر أن اليهود المغاربة الذين اختاروا الهجرة لإسرائيل هم مغاربة، لا تغير هجرتهم تلك شيئاً في انتمائهم لبلدهم المغرب، و حقوقهم و ممتلكاتهم، فكان أن امتلك المغرب بهم لوبياً قوياً داخل اسرائيل ما انفكت علاقته مع بلده الأصلي المغرب يوماً.

التأم شمل الأسرة المغربية عندما قرر المغرب أن الأمازيغ مكون أصيل و رئيسي في كيان المغرب فكانت خصوصيتهم الثقافية والإنسانية إحدى أهم دعائم سقف المغرب الواحد الموحد.

حصانة الأسرة المغربية لم تأتِ بالدبابات، و لا بسرايا دفاع و صراع ، بل عندما قرر الراحل الحسن الثاني في أواخر أيامه أن يطلق هو و خصمه التاريخي اللدود ، المناضل المغربي الكبير عبد الرحمن اليوسفي ، أمين عام حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية ، تجربةً ديمقراطيةً فريدةً و موزونة ، بما عرف بحكومات التناوب، لتستمر المسيرة و تتطور مع الملك محمد السادس و الراحل الكبير عبد الرحمن اليوسفي.

الأسرة المغربية الواحدة التي تقف مجتمعةً اليوم حول بئر صغير في بلدة شفشاون لانتشال طفل صغير كان اجتماعها الحقيقي عندما قرر محمد السادس أن يقدم تجربة جديدة في الحكم ، أتاحت للإسلاميين و اليساريين و المحافظين و الليبراليين الدخول إلى الحكومات و الخروج منها عبر بوابةٍ واحدة و وحيدة ، هي صندوق الإنتخابات .

هل عرفنا حقاً لماذا سمع العالم كله بالطفل ريان و لا أحد يأبه للطفل محمد قطيفان رغم مقاطع فيديو التعذيب المأساوية التي نشرها خاطفوه و التي لا تقل عن عار إنساني بحقنا جميعاً ؟

كل السوريين ،

لا أستثني منهم أحداً،

و أنا أولهم.

نشمي عربي