بقلم د. منى كيال

بعد مرور عامين كاملين من إعلان حالة الجائحة العالمية، تتحضركثير من الدول الغربية لإعلان الانتصار على الفيروس والخروج من الجائحة.

كانت المملكة المتحدة هي الأولى عالمياً في التحرر من قيود كورونا، تلتها الدانمارك والسويد والنرويج برفع معظم القيود على الرغم من أن معدلات الإصابة كانت ما زالت مرتفعة، معتمدة في قرارها على ارتفاع نسبة التلقيح وانخفاض عدد الوفيات مقارنة بالموجات السابقة. كما بدأت دول أوروبية أخرى كفرنسا وإسبانيا تخفيف الإجراءات الوقائية، تمهيداً لرفعها بشكل كامل وإعادة تصنيف كوفيد-19 كمرض غير مهدد للمجتمع.

هذه الإجراءات تشمل إلغاء إلزامية ارتداء الكمامات وإبراز شهادات التطعيم أو نتائج الفحوص السلبية عند الدخول للمطاعم وغيرها من الأماكن العامة، بل وحتى انهاء الحجر والعزل الصحي. و رغم أن المنطقة الأوروبية ما زالت تشهد أرقام إصابات مرتفعة، إلا أن أرقام الوفيات و وضع المشافي لا ينذر بالخطر. ويبدو للمراقبين أن هناك قرار سياسي بإنهاء حالة الجائحة.

– الجائحة ستنتهي سياسياً قبل أن تنتهي طبياً

يعلمنا تاريخ الأوبئة أن لكل وباءٍ نهايتان، نهاية طبية ونهاية اجتماعية. وعادة ما تكون النهاية الطبية تدريجية وذلك عندما يتراجع الوباء وتتناقص أعداد الوفيات. أما النهاية الاجتماعية فيتم التوافق عليها عندما تقتضي المصلحة الجماعية العودة لممارسة الأنشطة الانسانية والاجتماعية المعتادة، مع تلاشي موجات الخوف من المرض. وقد تتعب المجتمعات من القيود المفروضة لدرجة الإعلان عن انتهاء الوباء، حتى مع استمرار انتشار المرض بين الناس وتسببه بالوفيات.

منذ قرن من الزمان، قتلت جائحة الأنفلونزا الإسبانية 50 مليون شخص خلال سنتين. وبسبب عدم توفر لقاحات أو علاجات في ذلك الوقت، اقتصرت جهود مكافحة الفيروس على الحجر الصحي وغسل اليدين والقيود على التجمعات العامة. ومع الوقت وتكرّر الإصابات وتطور الحائط المناعي في المجتمع، تحولت الأنفلونزا إلى مرض متوطن موسمي أقل خطورة، رغم أنه ما زال يفتك بحياة البعض من كبار السن والأطفال الصغار.

والسؤال: هل استمرت جائحة الانفلونزا سنتين أم أكثر؟ ومتى تحولت إلى مرض متوطن؟
لن نجد إجابات شافية في كتب التاريخ الطبي. في الواقع، لا يوجد للجائحة نهاية واحدة بل نهايات متعددة في أماكن مختلفة. وبالنسبة لجائحة القرن الحادي والعشرين، فإن الجائحة ستنتهي اجتماعياً وسياسياً قبل أن تنتهي طبياً.

يقول دكتور جيريمي جرين المتخصص في تاريخ الطب في جامعة جونز هوبكنز: “عندما يسأل الناس متى تنتهي الجائحة؟ ، فإنهم يسألون عن النهاية الاجتماعية”. والمقصود بذلك العودة للحياة الطبيعية وخلع الكمامات.

أعلن بوريس جونسون انتهاء الوباء في بريطانيا في مرحلة حرجة من مسيرته السياسية، ضارباً بعرض الحائط الآراء العلمية التي تدعو إلى التأني و رفع القيود بحذر. يبدو أن هناك عدم اتفاق بين السياسيين وبين مسؤولي الرعاية الصحية وخبراء الأوبئة بشأن موعد إنهاء الجائحة. وبينما يركز العلماء على البيانات الصحية والأبحاث العلمية، فإن اهتمام السياسيين وقرراتهم تستند إلى معايير أخرى اقتصادية واجتماعية، عدا عن كسب أصوات الناخبين.

هدنة مع الفيروس أم انتصار

تدخل أوروبا هذه الأيام في اتفاقية هدنة مع الجائحة، متأملة أن تطول الهدنة وتجتاز الخريف القادم بسلام، حتى الخروج النهائي من حالة الجائحة في نهاية 2022. هذه الهدنة هي وقت ثمين لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق، مع إبقاء العين مفتوحة على تحركات ومراوغات الفيروس.

وقد صرّح المدير الاقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا أن المنطقة قد تدخل قريباً في “فترة هدوء طويلة” بسبب معدلات التلقيح المرتفعة وانتشار متحور أوميكرون الأقل خطورة واقتراب انتهاء فصل الشتاء. ومع أن مخاطر ظهور متحورات مقلقة ما زال قائماً، إلا أن أوروبا اليوم في وضع أفضل، وهي قادرة على مواجهة التحورات الطارئة دون اللجوء للإغلاقات والإجراءات القاسية.

لا يوجد وصفة دقيقة للتعامل الوبائي الأمثل في هذا المنعطف الحاسم من عمر الجائحة. هناك عوامل عديدة جداً متداخلة، عدا عن عجزنا عن التنبؤ بما يمكن أن يحمله مستقبل الفيروس من مفاجآت. وفي النهاية يجب الموازنة بين فوائد ومخاطر إبقاء القيود والتي تختلف من بلد إلى آخر حسب نسبة التلقيح والحالة الوبائية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية.

ماذا بعد أوميكرون؟

أوميكرون ليس المتحور الأول لكورونا المستجد ولن يكون المتحور الأخير. فطبيعة هذا الفيروس هو التغير المستمر مما يعطي الفيروس القدرة على زيادة الانتشار والبقاء. ومع اثبات فشل نظرية مناعة القطيع، أصبح علينا أن نتصالح مع فكرة أن الفيروس وجد ليبقى معنا. وسنتعايش معه ومع متحوراته كما نتعايش مع آلاف الفيروسات والجراثيم.

ومع توفر اللقاحات والعلاجات والخبرة في مواجهة الفيروس من جهة، وتراجع قدرة الفيروسات المتحورة على الفتك من جهة أخرى، أصبح المرض أقل خطورة وفتكاً خاصة مع اكتساب عدد متزايد من البشر مناعة ضد الفيروس، هذه المناعة ولو أنها غير كاملة إلا أنها تحمي من الإصابات الخطيرة.

السيناريو الأكثر احتمالاً هو تحول الكوفيد-19 إلى مرض متوطن موسمي يأتي على شكل موجات في أوقات معينة، وينضم بذلك إلى عدد كبير من الفيروسات الموسمية المسببة لإنتانات الطرق التنفسية العلوية.

الآمال معقودة على احتمالية الوصول بالفيروس لحالة المرض المتوطن بحلول نهاية 2022. إلا أن تحقيق هذا الهدف يتوقف على عدد من العوامل، منها عوامل تتعلق بالفيروس وتحوراته القادمة، إضافة إلى ضرورة تلقيح عدد كبير من سكان العالم وضبط انتشار الفيروس قدر الإمكان.

وملخص القول:

نهاية الجائحة لن تكون بسبب اختفاء الفيروس أو هزيمته، بل لأن الناس قد سئمت من حالة الخوف وقررت التعايش مع الفيروس. وهذا ينطبق على الأفراد والجماعات وقرارات الدول التي ضاقت ذرعاً بالقيود والإغلاقات. وفي هذه الحالة قد تكون الإجراءات فوضوية وغير مستندة على بيانات طبية و وبائية دقيقة، بل على ضرورات اجتماعية ومصالح سياسية.

أما الإعلان عن انتهاء الجائحة رسمياً فهو من اختصاص منظمة الصحة العالمية، و ذلك عندما يتراجع انتشار الفيروس في معظم دول العالم ويتحول المرض إلى أوبئة متوطنة صغيرة هنا وهناك.

و رغم الاختلافات بشأن التوقيت المناسب لإنتهاء حالة الجائحة، إلا أن هناك إجماع عام على أنه قد حان الوقت لإنهاء حالة الطوارئ العالمية التي فرضها الفيروس لمواصلة عجلة الاقتصاد والتعليم والصحة وترميم الآثار الكارثية التي تركتها الجائحة على كل مفاصل حياتنا.

اترك رد