بقلم نشمي عربي كاتب سوري يعيش في أمريكا

في ترفهم الفكري وانفصالهم الشديد عن الواقع، يتناطح الكثير من البعثيين في توصيفاتهم العبقرية لتيارات البعث المختلفة، كلٌ يريد أن يثبت أن التيار الذي يؤمن به هو “الأنظف” بينها جميعاً، نرى هذه المسَّلَّمة تحديداً عند جماعة صلاح جديد، فلديهم إيمان راسخ ويقين ثابت أن تيارهم هو “الأنظف” و الأنصع و الأكثر وطنيةً بين كل تيارات البعث، و قطعاً فهم يعتقدون بأنه لا يمكن حتى مقارنتهم بمرحلة مابعد تشرين ثاني ١٩٧٠ التي انقلب فيها حافظ الأسد عليهم جميعاً في ماسماه بالحركة التصحيحية.
“صلاح جديد” يمثل دون أدنى شك تياراً مختلفاً تماماً عن كل ما جاء بعده في نهج البعث، إن كان لناحية الإخلاص للفكر الذي آمن به، أو نظافة اليد التي لايمكن إنكارها عليه، لا بل و التقشف الشديد و البعد عن كل مظاهر رفاهيه السلطة و امتيازاتها، ولكن هذا يشكل فقط جزءاً من الحقيقة، وليس الحقيقة كلها … الحقيقة التي تستوجب اعترافاً صريحاً ومباشراً و هي أن تجربة البعث ككل لم تكن في المحصلة و في أي يوم من الأيام إلا وبالاً على سورية كلها، اغتال تعدديتها و انفتاحها و تسامحها السياسي وذهب به إلى غير رجعه، و أخذها و شعبها في متاهات لعل ما نشهده و نعيشه اليوم هو أحد تجلياتها و نتائجها المؤلمة.
من حق أي جماعة أو مجموعه أو فريق سياسي أن تكون له قناعاته السياسية و العقائدية والفكرية التي يؤمن بها و يسعى من أجلها، كائنةً ما كانت، و لكن الذي ليس من حق أحد هو أن يعمل بكل الوسائل المتاحه و غير المتاحه لفرضها على شعب كامل متعدد الإتجاهات السياسية والفكرية، و فوق ذلك فقد أدمن منذ فجر استقلال سورية و ربما قبل ذلك السياسة، إن لم يكن ممارسةً فعلى الأقل رأياً أو تعبيراً، لم يعد متاحاً أبداً منذ فجر ٢٣ شباط.
لا أريد أن أدخل في تفاصيل الأداء الكارثي لحكومات البعث المتعاقبة منذ ١٩٦٣ و حتى اليوم إن كان على الصعيد السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي و غيرها، أكتفي فقط بأدائهم على الصعيد العسكري، ففضيحة الهزيمة العسكرية المدوية لنظام ٢٣ شباط في ١٩٦٧ تركت خسارة الجولان جرحاً عميقاً غائراً في وجدان كل سورية و سوري، لن يبرأ أبداً، ليتحفنا بعدها بالفضيحة الأكبر في تبرير هذا النظام لتلك الهزيمة الفاضحة في أن العدو فشل في القضاء على النظام ( الثوري ) في سورية وبذلك فقد انتصر هذا النظام و خسرت اسرائيل ..!!!
لا أستطيع أن أتهم رموز نظام ٢٣ شباط في شعورهم الوطني بل في أدائهم الكارثي، فريادة الأوطان و قيادتها لا تكون بطيب النوايا و لا بحسن الطوية، بل بالنتائج والوسائل، والتي مع الأسف لم تكن يوماً في صالحهم، فعسفهم الشديد و وسائلهم العنيفه التي رافقت هذا الأداء لم يعتدها السوريون قبلهم.
يحق لأنصار تيار صلاح جديد وكل رموز ٢٣ شباط أن يقارنوا بين شكل و مضمون الحكم الذي فرضوه تعسفاً على السوريين جميعاً منذ شباط ١٩٦٤ وحتى تشرين ١٩٧٠ ، و شكل و مضمون الحكم الذي أتى بعده و لايزال جاثماً على صدور السوريين حتى هذه اللحظة، و ربما كانت النتائج و الأحكام في صالحهم، ولكننا إذ نفعل ذلك فإننا في الحقيقة كمن يقارن بين المصيبة و الداهية، و يمايز بين البلية و الرزية، و زيادةً على ذلك فإن الحقيقة الساطعه التي لايمكن لأحد إنكارها هي أن كل ما جاء بعد تشرين ١٩٧٠ لم يأتِ من فراغ، بل لعله كان النتيجة الطبيعية و الحتمية لكل ما جرى قبله، تَوَّجَهُ و رَسَّخَهُ غدر الرفاق بالرفاق، و للأمانة فما من موبقة من موبقات نظام ( القائد الخالد ) و حركته ( التصحيحية المجيدة ) إلا وكان لها أساساً و مرتكزاً في نظام ( اليسار الطفولي الحالم ) …
أرجو أن يتحمل ( الرفاق ) كلامي … فقد تحملهم السوريون منذ آذار 1963 وحتى يومنا هذا …
أما رفاقهم من جماعة دكاكين ( الجبهة الوطنية التقدمية ) لصاحبها ( حزب البعث العربي الإشتراكي ) فلن يغفر لهم أنهم لم يملكوا يوماً القدرة حتى على العطس أو السعال خارج ما رسمه لهم ( الحزب القائد ) و أمينه ( الخالد ) ، فكانوا أسوء شهود لأسوَدِ عهود.
لا أدعي إلماماً أو إحاطةً بأدبيات البعث، فهي ليست من النوع الذي يغري بالقراءة، ولكن في هذا اليوم وفي ذكرى ٢٣ شباط تحضرني مقولة واحدة، وربما كانت اليتيمة في كل أدبياتهم، وإن كانت أتت على لسان من انتمى لفريقٍ بعثيٍ آخر، لعله غسل بدمائه التي سالت على أيدي رفاق آخرين خطاياه وخطايا البعث بحق السوريات والسوريين، هذه المقولة تختصر ما ينتظره السوريون اليوم من كل من تبقى من بعثيين، إنها مقولة الراحل صلاح البيطار التي اختارها عنواناً لمقاله الأخير قبل تغييبه …
( عَفوَكَ .. شعب سورية العظيم ).

نشمي عربي

اترك رد