بقلم نشمي عربي-كاتب سوري أميركي

في اعتراف صريحٍ وواضحٍ لجهوده الجبارة في نصرة الثورة الجزائرية، حرص قادتها التاريخيون على أن يكون استقبال الجزائر المستقله لتوها للرئيس عبد الناصر تاريخياً، وحرص عبد الناصر بدوره في أول لقاء له معهم على أرض الجزائر المستقلة أن يقول لهم جملته التاريخية:
( إن معارك السلاح هى الجهاد الأصغر ومعارك السلام هى الجهاد الأكبر ).
في الديمقراطيات الغربية ليس هناك من معارك سلاح، ولكن الصوت “المهاجر” في فرنسا خاض معركةً سلميةً حاميةً ضد مرشحة اليمين الفرنسي تكللت بفوز الرئيس ماكرون بفترةٍ رئاسيةٍ ثانية، وفاز الصوت المهاجر في تحدٍ رهيب بأن يفرض نفسه رقماً صعباً وفاصلاً في معركةٍ انتخابيةٍ غير اعتيادية وسط انقسامٍ فرنسيٍ غير مسبوق.
أرقام النتائج تؤكد مفصلية وأهمية الصوت المهاجر، فقد فاز الرئيس ماكرون على السيدة مارين لوبين بفارق حوالي خمسة ملايين صوت، ليس مصادفةً أبداً أن رقم الخمسة ملايين هذا هو نفسه مجموع أصوات الفرنسيين المسلمين والفرنسيين من أصول أفريقية وآسيوية وبعض الأقليات من أصول أوروبية أخرى كالبرتغالية والإيطالية وغيرها، الصوت الفرنسي “المهاجر” إذاً كان بما لايدعو للشك هو بيضة القبان والذي حسم معركةً انتخابيةً لافته، لعلها كانت انتهت باتجاه آخر تماماً في غيابه.
هذا الإنتصار الغير مسبوق للصوت المهاجر في تحدٍ وازنٍ في معركةٍ انتخابيةٍ فاصلة كالتي تابعها العالم، يفرض كماً مهماً و وازناً من المسؤولية والحصافة السياسية والإجتماعية أمام أصحابه، وهذا هو الجهاد الأكبر.
الجهاد الأكبر الذي يستحق من أصحاب الصوت الفرنسي المهاجر العمل لأجله هو استمرار لنفس اللعبة السياسية الديمقراطية السلمية التي تكللت جهودهم فيها بالنجاح، والمستمدة من روح قيم الجمهورية الفرنسية التي تضمن لكل الفرنسيين حقوقهم وتنطم واجباتهم.
التحدي الحقيقي أمام أصحاب الصوت المهاجر بعد نجاحهم في معركتهم الإنتخابية السلمية يكمن برأيي في طريقة تعاطيهم مع هذا النجاح، خصوصاً لجهة طريقة تقديمه أو الحديث عنه لعموم الشارع الفرنسي الذي ربما كان حسم أمره في اتجاهٍ آخر تماماً في غياب كتلة الأصوات الموحدة والمهمة التي قدموها لفريق ومشروع الرئيس ماكرون، الذي ربما لم يكن المثالي لطموحاتهم ولكنه دون شك الأقرب إليها والأكثر انسجاماً معها.
آخر مايجب أن يفعله أصحاب الصوت المهاجر اليوم هو أن يتحدثوا عن منتصرين ومهزومين، بغض النظر عن نتيجة الإنتخابات، بل أن ينطلقوا دوماً في أحاديثهم مع عموم الفرنسيين من مقولة أن الكل رابحون، والرابح الأول هو قيم ومباديء الجمهورية الفرنسية.
الإدارة الفرنسية اليوم، وفريق الرئيس ماكرون الذي أدار ماكنته الإنتخابية يدركون بلا شك أهمية الصوت المهاجر ومفصليته في تحديد نتائج معركة الأمس، ولكنهم اليوم ينظرون إلى معركة بل معارك الغد، والتي تتلخص في أن يحقق الرئيس ماكرون في إدارته الثانية الكم الأعظم من وعوده الإنتخابية لكل الفرنسيين، وأعود لأؤكد: كل الفرنسيين …
لمن لديهم أدنى شك في أهمية مقولتي هذه، أحيلهم لكلام الرئيس ماكرون نفسه في منشوره على الفيسبوك ليلة أمس، حيث قال بكل وضوح:
( إلى أولئك الذين انتخبوني ليس بسبب دعمهم لأفكاري إنما لسد الطريق أمام اليمين المتطرف ، صوتكم يلزمني لأكون رئيس لكل الفرنسيين وليس رئيسا لتيار بعينه ).
الرسالة واضحة، فهل يفوز الصوت الفرنسي المهاجر في معركة جهاده الأكبر في أن يكون جزءاً من ( الفابريك ) الفرنسي بكافة أطيافه وتلوناته الفكرية والسياسية والإجتماعية؟ وأن يتابع ويؤكد التزامه بقيم ومباديء الجمهورية الفرنسية المتمثلة في ( الحرية والمساواة والإخاء ) ؟
وهل يستطيع الصوت الفرنسي المسلم تحديداً أن يستلهم من رسالة الإسلام السمحة انفتاحها على الآخر وقبولها به والتشارك معه في تعزيز روح المواطنة الفرنسية؟
الأمر المهم الآخر الذي ربما يكون مفيداً ومريحاً إقتناع الناخب الفرنسي من أصول مهاجرة به هو أنه وبغض النظر عن بعض الدعوات الشعبوية والعنصرية والمعادية للإسلام لدى بعض وجوه اليمين الفرنسي والتي تزامنت مع حملته الإنتخابية، فإنه ليس دقيقاً أن كل من صَوَّت لمرشحة اليمين الفرنسي هو أو هي بالضرورة شعبوي وعنصري أو معادي للإسلام … فالتجربة علمتنا أن مواطني الديمقراطيات الغربية يحسمون خيارهم الإنتخابي في أحيان كثيرة لأسباب حياتية أومعيشية ذات طابع إقتصادي خَدَمي غالباً، وليس لها علاقة بدعوات أو توجهات شعبوية أو عنصرية لدى بعض رموز اليمين، كماً كبيراً منها الغاية منها استثارة وركوب عواطف غريزية لدى طبقات شعبية معينة لحصد أكبر كم من أصواتها، رأينا هذا الأمر بوضوح تام في التجربة الأميركية خلال صعود دونالد ترمب الذي سيستغرب الكثيرين إن علموا أن نسبةً ليست بالقليلة من العرب الأمريكيبن ( خصوصاً من أصحاب الأعمال ) صوتوا له، خصوصاً في معركته الإنتخابية الأولى ….
أعلم أن دعوتي للصوت الفرنسي المهاجر قد تنطوي على الكثير من التنظير، وأن العالم الحقيقي حولنا ليس وردياً على الإطلاق، وفرنسا اليوم بالتأكيد ليست استثناءً، ولكن نظرة واحدة على فرنسا أمس قبل حسم نتيجة الإنتخابات الرئاسية، حيث الأبواب كانت مفتوحة على خيارات لاتخلو من كوابيس مرعبه عبرت عنها بعض النداءات الأكثر شعبويةً وتطرفاً في تاريخ اليمين الفرنسي وبعداً عن روح وقيم الجمهورية الفرنسية الحقيقية، وفرنسا اليوم التي حسمت خيارها بشكل سلمي وديمقراطي في اتجاهٍ هو الأكثر ملامسةً لمصالح عموم الفرنسيين وضماناً لمصالحهم وانسجاماً مع خياراتهم، نظرة كهذه كفيلة بأن تؤكد أن الالتزام بالخيارات الديمقراطية الحضارية السلمية مع الكثير من التنظيم والجهد والعمل تحدث فرقاً، بل فرقاً خيالياً، يبدأ هذا الفرق في قصر الأليزيه، ولاينتهي مع آمال ومصالح الفرنسيين، كل الفرنسيين، والصوت الفرنسي المهاجر منهم وبينهم.

اترك رد