زيد العظم

سوريا المشبعة بعبق التاريخ وأصول اللعبة الديمقراطية مقارنة بالزمان والمكان.. يصر مسؤولو النظام السوري على إهانة سوريا والنيل من كرامتنا كسوريين صباح مساء.

خرج علينا منذ أيام مستحاثة من مستحاثات هذا النظام المتعفن المشبع بالكبتاغون ليقول بأن سوريا قبل 1970 لم يكن لها ذكر أو تأثير إقليمي.. إلى آخر مافي هذا السرد من خرف وزوال عقلي بتأثير المخدرات.

أتابع موضوع الإنتخابات التشريعية الفرنسية الحالية وأقوم بكتابة بعض الملخصات وعدد من الشروحات القانونية المرتبطة بهذا الاستحقاق الإنتخابي لعدد من وسائل الإعلام وبعض مراكز الدراسات، الأمر الذي ولد في داخلي رغبة لإلقاء نظرة معمقة بعض الشيء على مسيرة الإنتخابات البرلمانية في سوريا،و بطبيعة الحال عندما نقول انتخابات برلمانية فهذا يعني قبل عام 1963، لحظة وصول البعث إلى السلطة عبر انقلاب آذار وتهشيمه للحياة السياسية في البلاد.

إن أكثر ما شدني في الاستحقاقات الإنتخابية الحرة “نسبياً” التي كانت تحدث في سوريا، وفقط و لمزيد من الدقة والإنصاف قبل عام 1958، كانت انتخابات 1954 التشريعية، فالبنسبة لي هي قبل آخر انتخابات نزيهة وحرة، إذ أن عبد الناصر سينسف فكرة الإنتخابات من عين أصلها تماما كما فعل في الأحزاب السياسية، حيث أُلغيت جميع الأحزاب في عهد حكم البوليس المصري لسوريا بجرة قلم.

فضلا عن أن انتخابات 1954 التشريعية كانت وبشكل نسبي أيضا بعيدة عن تأثير العسكر وحكمهم الديكتاتوري (1949-1954) بالإضافة إلى بعدها عن تأثير السفارات كما حصل في انتخابات 1947 على سبيل المثال لا الحصر.

انتخابات البرلمان السوري عام 1954 تمت على جولتين أسوة بمعظم الأنظمة الديمقراطية الحديثة، حيث المرشح الذي لايتمكن من الفوز بأكثرية الأصوات المطلقة ينتقل إلى الدرجة الثانية، وفي هذه الحالة يفوز في الإنتخابات إذا تمكن من جمع الأكثرية البسيطة.

بدأت الجولة الأولى في صباح 24 أيلول عام 1954 للتنافس على مقاعد البرلمان السوري البالغ عددهم آنذاك 142 مقعد، وجرت العملية في أجواء جيدة شابها بعض الإشكاليات “وهذا ضمن السياق الطبيعي”.

الإنتخابات في العاصمة دمشق :

متناقضات.. تحالفات.. تلاقي وتضاد المصالح كما اللعبة السياسية.. لن نجدها إلا في أقدم مركز تجاري في العالم ألا وهي دمشق، فكيف لرأسمالي أن يتحالف مع شيوعي؟ ويتمكنان من إقناع الدمشقيين من انتخابهم رغم تضادهم مع جمهور علماء الدين وحزب دمشق التقليدي “الحزب الوطني”!

نعم هذا ماحصل.. حيث تحالف الرأسمالي خالد العظم مع الشيوعي من أصول كردية خالد بكداش.. وكان الخبر مدوي في الإذاعة وعلى مانشيتات صحف الدنيا والأيام..” الخالدين العظم والبكداش يكتسحان ويربحان الإنتخابات من الجولة الأولى”
فيما عجزت بقية الأحزاب التقليدية عن الفوز في الجولة الأولى إذ ستضطر لانتظار الجولة الثانية يوم الرابع من تشرين الأول 1954.

في صفحات التاريخ العربي كُتب أنه في دمشق تم ولأول مرة في العالم العربي وصول شيوعي إلى البرلمان، كما سيُسجل في التاريخ السوري بأن الإخوان المسلمين قد أسدوا خدمة كبيرة لخالد العظم عندما هاجموا فيه وعلى المنابر أسلوب حياته الغير متدين وانتقاد زوجته السافرة، فما كان من نساء دمشق إلا دعم خالد العظم بثمانية آلاف صوت في أكبر مشاركة للمرأة في استحقاق سياسي في سوريا، كما أن الدمشقيات قد أحبوا بذوقهم العالي ذلك العطر الباريسي الذي وضعه خالد العظم على البطاقة الإنتخابية التي احتوت على كلمة واحدة “افتكرني”

بعد فرز أصوات الجولة الثانية من انتخابات برلمان 1954 جائت النتائج النهائية في عموم سوريا كالتالي :

60 مقعد للمستقلين
30 مقعد لحزب الشعب (الحزب التقليدي في حلب)
22 مقعد لحزب البعث
19 مقعد للحزب الوطني (الحزب التقليدي في دمشق)
4 مقاعد حزب الإخوان المسلمين
2 مقعد لحزب التعاون
2 مقعد للحزب القومي السوري
2مقعد لحركة التحرر العربي
1 مقعد للشيوعي الدمشقي من أصول كردية خالد بكداش.