زيد العظم

الجانب الأبرز والحد الفاصل بين الجمهوريتين الرابعة والخامسة في فرنسا، تحول النظام السياسي في البلاد من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، حيث كان البرلمان الفرنسي في الجمهورية الرابعة حجر الأساس ومطبخ القرار في الحياة السياسية، تماما كما هو عليه الحال اليوم في عديد من الديمقراطيات الأوروبية التي تأخذ بالنظام البرلماني (بريطانيا وألمانيا على سبيل المثال)

انتقلت فرنسا من الجمهورية الرابعة ذات النظام البرلماني إلى الجمهورية الخامسة التي اشترط الجنرال ديغول تحولها “أي الجمهورية” إلى نظام رئاسي يكون فيها لرئيس الجمهورية رأس السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع وسلطات أشمل في محاكاة للنظام الرئاسي الأمريكي.

عشية الانتقال إلى الجمهورية الفرنسية الخامسة أصغى زعيم فرنسا الحرة الجنرال ديغول إلى الخبراء من فقهاء الدستور حول المزايا الإيجابية للنظام الرئاسي بما يحويه من ضمان لاستقرار البلاد السياسي، حتى لاتكون الحكومة في مهب الريح يمكن للكتل النيابية الإطاحة بها دون أن يكون لرئيس البلاد أي دور في التدخل كضامن لديمومة استقرار المؤسسات السياسية في البلاد.

ونتيجة لتحول النظام السياسي في فرنسا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، شهدت البلاد حالة من الاستقرار السياسي النسبي عن ماكانت عليه في الجمهورية الرابعة قبل 1958، غير أن نظام ديغول الرئاسي كان مشوبا في مراحل تاريخية متعددة بتعايش حكومي مابين مؤسسة رئاسة الجمهورية من جهة، والأكثرية النيابية المختلفة عن خط الرئيس من جهة ثانية.
تعايش كان يرخي بثقله وتأثيره السلبي على حياة الفرنسيين لما شهده من مشادة تارة ومناكفة تارة أخرى بين تيار رئيس الجمهورية ومعارضيه من الأكثرية داخل الجمعية الوطنية (الغرفة الأهم في البرلمان الفرنسي).

وعند الحديث عن فترات التعايش الحكومي هذه، تقفز في ذواكر عديد من الفرنسيين حالات الاستعصاء السياسي في سنوات حكم فرانسوا ميتران وجاك شيراك، تلك الفترات التي كانت الأخفض لجهة التشريع وإقرار القوانين والمشاريع التنموية.

يوم الأحد الماضي في التاسع عشر من شهر حزيران الجاري أُقفلت صناديق الإقتراع الفرنسية وبدأت عمليات فرز الأصوات، لم يحصل تحالف الرئيس إيمانويل ماكرون على الأكثرية المطلقة “الأداة الدستورية الفعالة لشرعنة مشاريع ماكرون”. حصل تحالف الرئيس الفرنسي على الأكثرية النسبية بعد نيله 245 مقعد داخل الجمعية الوطنية.

واحدة من نتائج الإنتخابات التشريعية الماضية، كان السؤال الذي بات الفرنسيون يكرروه، كيف سيحكم الرئيس ماكرون؟

لسنا الآن في صدد أو بوارد بحث كيف سيحكم ماكرون بأكثرية ليست مطلقة من منظار السياسة ومن جانب التحالفات الحزبية، ما يعنينا الآن هو عودة البرلمان الفرنسي إلى الواجهة كمان كان عليه الحال في الجمهورية الفرنسية الرابعة في القرن الماضي، عودة تجعله وجها لوجه من مؤسسة رئاسة الجمهورية في الحل والربط، مؤرقا للسلطة التنفيذية لايمكن تجاوزه على الإطلاق .

فهل بدأ نظام ديغول الرئاسي بالتلاشي ليعود نظام الجمهورية الرابعة البرلماني؟