بقلم عمران أدهم

الجزء الأول

إنّ المملكة العربيّة السعوديّة مرّت بتغيرّات متواصلة منذ تأسيس المملكة السعوديّة الأولى عام 1233/1157 هجريّة 1818/1744 ميلاديّة، وذلك بالإتّفاق الذي تمّ بين الأمير محمّد بن سعود والشيخ محمّد بن عبد الوهاب على أرض شبه الجزيرة العربيّة ، وكانت الأساس الأوّل لقيام المملكة السعوديّة الأولى هو الحفاظ على الدعوة السنيّة للنبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم وذلك بعد سقوط الخلافات الراشديّة 660/631 ميلاديّة ومن ثم الأمويّة 750/660 ميلايديّة والعبّاسيّة 990/750 ميلاديّة وأخيرًا الفاطميّة 1171/909 ميلاديّة.


وفي عام 1240 هجريّة (1824 ميلاديّة) تمكّن الإمام تركي بن عبد الله بن محمّد آل سعود من إعادة تأسيس المملكة السعوديّة الثانية ونقل مقرّها من الدرعيّة إلى الرياض حيث تمكّن في مدّة قصيرة من الحفاظ على الأمن ونشر التعليم وضبط القضاء واستمرّت المملكة السعوديّة الثانية حتى عام 1309 هجرية 1891 ميلاديّة، ومن أهم أسباب سقوطها الحروب والصراعات القبليّة الداخليّة والتي حاكها أبناء آل سعود ضدّ بعضهم البعض وإنتهى الأمر بفنائها وسقوطها ونتج عن ذلك النزاع بين آل سعود وآل الرشيد الذين رسّخوا نفوذهم في منطقة جبل شمر وفي حائل ونجد، وبدأ الصراع والحروب بالتوسّع والإنتشار والتشعّب بين الأسرة السعوديّة الواحدة منذ رفض سعود بن فيصل أنّ يكون شقيقه عبدالله بن فيصل حاكمًا للمملكة الثانية حيث إستعان الأوّل في بريطانيا والثاني بالدولة العثمانيّة ممّا أدّى إلى تمزّق العائلة وأدّى بذلك إلى خلع سعود بن فيصل عام 1871 ميلاديّة من قبل عمّه عبدالله بن تركي الثالث وفي عام 1873 ميلاديّة قتل سعود بن فيصل عبد الله الثالث وتلاه وفاة سعود بن فيصل عام 1875 ميلاديّة.
بالتنسيق مع بريطانيا تمّ وقف الحرب الأهليّة والصراعات بين الأسرة الواحدة مؤّقتًا، وهنا نشير إلى أنّ آل الرشيد وبمساعدة قبائل شمّر قاموا بإعدام ثلاثة من أبناء سعود بن فيصل وإستولوا على الحكم بالرياض ونجد عام 1886 ميلاديّة.
وفيما بعد إستطاع عبد الرحمن آل سعود من حشد جيوشه ضدّ آل الرشيد وسيطر على الرياض وأرسل إبنه عبد العزيز مؤسس المملكة السعوديّة الثالثة إلى الرياض ولكن الصراع إستمرّ بين آل سعود وآل الرشيد حتى سقطت المملكة السعوديّة الثانية عام 1309 هجريّة 1891 ميلاديّة بعد 73 عامًا من حكم البلاد، وبسقوط المملكة السعودية الثانية إضطرّ الإمام عبد الرحمن آل سعود وولي عهده عبد العزيز مغادرة البلاد إلى الكويت وإستقرّ هناك ومن الكويت بدأ بالتخطيط للعودة.


المملكة السعوديّة الثالثة:
وهنا علينا أنّ نسرد جهود ومساعي المؤسس عبد العزيز آل سعود في تكريس حكم العائلة منذ عام 1926 ميلاديّة بعد إنتصاره على آل الرشيد وكرّس جلوسه ملكًا بتاريخ 8 شباط 1348 هجريةّ أيّ بتاريخ 8 يناير 1930 ميلاديّة. وهنا نشير بأنّه كان للملك عيد العزيز حنكة وبعد نظر إلى جانب كونه قائدًا عسكريًا من الدرجة الأولى.
وفي عام 1932 ميلاديّة أعلن في إحتفال كبير تأسيس وإستقلال المملكة العربيّة السعوديّة الثالثة وتتويج الملك عبد العزيز ملكًا بعد أنّ إستطاع توحيد المملكة منذ عام 1902 ميلاديّة بعد إستعادة الرياض المدينة التي كان ينتمي إليها ويقطنها والده عبد الرحمن.


تعتبر المملكة السعوديّة اليوم من أكبر بلدان العالم في المخزون النفطي والخامسة بالثروة الغازيّة وهي تتمتع بدخل فردي بمعدّل مرتفع لكلّ منهم، والإختبار الأقسى والذي استمرّ لسنوات كان على أرض اليمن البلد الذي كان جزءًا من المملكة حتى حوّله الملك عبد العزيز لحكّام المنطقة التي كانت الجزء البعيد حيويًا من الطائف.
ومن المواقف النبيبة للملك فيصل استعماله لسلاح النفط وإيقاف تصدير النفط الخام السعودي إلى الولايات المتّحدة وهولندا البلدين الأكثر تعاطفًا مع إسرائيل ونتج عن ذلك ارتفاع سعر النفط من 11.5 دولار للبرميل إلى 35 دولار وحتى وصل إلى 70 دولار وعليه واجهت البلدان الأوروبيّة إنكماشًا إقتصاديًا ونتج عن ذلك موجة من التضخّم في الولايات المتّحدة الأميركيّة والعديد من الدول الأوروبيّة ممّا دفع بالولايات المتّحدة إلى إرسال كيسنجر للتفاوض مع كلّ من سوريا ومصر وإسرائيل للوصول إلى هدنة لإرضاء الملك فيصل رغم ذلك لم يوفّق كيسنجر في إقناع الملك فيصل بالعدول على موقفه من إيقاف تصدير النفط أوّ بالأحرى إستعماله كسلاح لإستعادة البلاد العربية صفوفها.


نعم لقد كان الملك فيصل آل سعود القائد الحكيم والمسالم بطبعه والبعيد النظر حتى أصبح من قادة مقاومة إسرائيل دون أنّ يستعمل جيشه في أيّ مواجهة.


السعوديون استطاعوا العيش بسلام طيلة القرن التاسع عشر وبعد إنتهاء الحرب العالميّة الأولى، وكان البلد الأكثر إستقرارًا في المشرق العربي وخصوصاً بعد اكتشاف النفط عام 1938م في منطقة الإحساء، وعليه تأسست شركة آرامكو Arabian American Oil Company وأصبح بوسع السعوديين الأمل بتحقيق الإزدهار وتنفيذ مشاريع التواصل ما بين المناطق الشاسعة والإبتعاد عن ما يجري في البلدان العربيّة من صراعات بين الأنظمة الإشتراكيّة وما سمّي بالتقدّمية والبرجوازيّة حيث أنهكت في نزاعات جانبية كان لها الأثر الكبير في التراجع والتخلّف حيث بذكاء الملك فيصل عمل على السيطرة على الموارد وطوّر الإتفاق مع الأميركيين الذي كان قد وقّعه الملك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي روزفلت قبل انتهاء عقد الثلاثينيات، واعتمد الملك فيصل الإعتدال وفي عام 1972 قام بالإستحواز على 20 في المئة من شركة آرامكو وفي عام 1980 إبتاع السعوديّون حصّة الولايات المتّحدة الأميركيّة في الشركة.


وعلينا تسجيل حقائق ومواقف جليلة للملك فيصل الذي تعايش بهدوء مع التغييرات في كلّ من مصر والعراق وسوريا أيّ مع الزعامات الجديدة في مصر (عبد الناصر) والعراق عبد الكريم قاسم ومن ثمّ أحمد حسن البكر وصدّام حسن، وبدأ بمرجلة التطوير في الإدارة السعوديّة وعمل على زيادة عدد المدارس والجامعات وتحسين شبكات الطرق وتشجيع الزراعة وبكلام آخر كان الملك فيصل تقدّمي أكثر من الثوّار الذين كرّسوا محطّات الراديو ومن ثمّ التلفزيون للدعايات الشخصيّة مما نتج عن ذلك إرتفاع بسعر برميل النفط من 11.50 دولار إلى 35 دولار أميركي حتى وصل إلى 70 دولار وعليه واجهت البلدان الأوروبيّة إنكماشاً إقتصاديًا ونتج عن ذلك موجة من التضخّم في الولايات المتّحدة الأميركيّة والعديد من الدول الأوروبيّة ممّا دفع بالولايات المتّحدة إلى إرسال كيسنجر للتفاوض مع كلّ من سوريا ومصر وإسرائيل للوصول إلى هدنة لإرضاء وإستعطاف الملك فيصل وحثّه على العدول عن مواقفه في إيقاف تصدير النفط والتخفيف من استعماله كسلاح لصالح البلاد العربيّة مصر وسوريا حتى استعادة حقوقها ودفع حياته ثمنًا لموقفه النبيل لصالح وخدمة للحقوق العربيّة.


نعم لقد كان الملك فيصل آل سعود القائد الحكيم والمسالم بطبعه وبعيد النظر حتى أطلق عليه إسم المقاوم الأكبر للقضيّة الفلسطينيّة والحقوق العربيّة وذلك دون أنّ يستعمل جيشه في أيّ مواجهة ومواقفه النبيلة نعيشها اليوم وبحنكة وذكاء كبير من الأمير محمّد بن سلمان الذي يعمل للوصول بالمملكة إلى الصفّ الأوّل من الدول العظمى إقتصاديًا والأولى سياحيًا وصناعيًا.
في عام 1965 تمّ تعيين الأمير خالد بن عبد العزيز وليًا للعهد وعمل بتوصيات الملك فيصل بتشجيع المشاريع الزراعيّة والعلميّة ومن إنجازاته المنطقتين الصناعيتين في ينبع وجبيل إضافة إلى تطوير التعليم بمختلف فروعه الأعدادي والثانوي والجامعي، ويظهر الجدول المدرج تطوير عدد المدارس إضافة إلى إنشاء جامعة الملك فيصل.
المدارس الإبتدائيّة
عام 1975 – 3028 ———- عام 1982 – 5373
المدارس الأعداديّة:
عام 1975 – 649 ———- عام 1982 – 1377
المدارس الثانويّة:
عام 1975 – 182 ———- عام 1982 – 469
عند وفاة الملك خالد عام 1982 إعتلى العرش الملك فهد بن عبد العزيز ويُنسب إليه الفضل في إدخال النظام الأساسي للملكة العربيّة السعوديّة في عام 1992.
والأدوار السياسيّة الذي لعبها الملك فهد منذ تعيينه عضوًا في المجلس الإستشاري الملكي بناءً على طلب والدته عام 1945 وسفره إلى سان فرانسيسكو في أوّل زيارة له إلى خارج المملكة السعوديّة لتوقيع ميثاق الأمم المتّحدة كما ترأس أوّل زيارة له إلى المملكة المتّحدة عام 1953 لحضور تتويج الملكة إليزابيت الثانية نيابة عن آل سعود كما ترأسّ عام 1959 الوفد السعودي إلى جامعة الدول العربيّة، وفي عام 1986 إستبدل لقب جلالة الملك بلقب خادم الحرمين الشريفين للدلالة على السلطة الإسلاميّة بعيداً عن العلمانيّة، وأنشأ الملك فهد المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة بإدارة كبار أفراد الأسرة والتكنوقراط عام 1994 وكان من المقرر أنّ يعمل المجلس بمثابة هيئة منظّمة للنشاط الإسلامي فيما يتعلّق بشؤون التعليم والإقتصاد والسياسة الخارجيّة وكان رئيس المجلس الأمير سلطان بن عبد العزيز وعضوية الأمير نايف بن عبد العزيز والأمير سعود الفيصل والتكنوقراط محمّد بن علي أبا الخيل الذي شغل منصب وزير المالية لفترة طويلة، وكان يعتقد بأنّ أحد الأغراض السرّية للمجلس هو الحدّ من سلطة مجلس العلماء التي كانت تتزايد في ذلك الحين إلى أنّ تجرأ الأمير محمّد بن سلمان ولي العهد الحالي وأوقف الصلاحيّات الواسعة لرجال الدين بتدخّلهم في السياسة والحياة العامّة للشعب وعمل على فصل الدين عن الدولة.


آلية الخلافة:


في محاولة لإضفاء الطابع المؤسساتي على الخلافة، أصدر الملك فهد بن عبد العزيز مرسومًا في آذار من العام 1992 وسّع بموجبه معايير الخلافة التي كانت مجرّد أقدميّة وإجماع عائلي، والذي حصل بالفعل على الحق في تعيين أوّ عزل الوريث على أساس الملاءة وليس الأقدميّة، وفي النظر بأنّ أحفاد الملك عبد العزيز أصبحوا مؤهّلين للعرش (وتنفيذًا لهذا المرسوم عنهم الأمير محمّد بن سلمان الملقّب MBS وليًا للعهد (وليًا للملك سلمان)).
نعم لقد سمح هذا التعديل منذ العام 2005 بتبديلات كبيرة نتج عنها مسيرة ضخمة لتحديث البلاد والتجهيز البنيوي وتعديلًا كبيرًا بالعلاقات الإجتماعيّة وتحوّلات كبيرة في جوانبها الثقافيّة والفنّية والإنفتاح على العالم الحديث مما يزيد الإنتاجيّة وتطوير وسائل المعلوماتيّة للوصول إلى بلد يضاهي البلدان الصناعيّة الكبرى من أوروبّية أوّ الصين أوّ اليابان، وعلينا أنّ نعطي حقّه كاملًا لوليّ العهد الحالي الأمير محمّد بن سلمان في هذا التطوّر الذي حقق للشعب السعودي المزيد من الرفاه والتقدّم وبإعتقادي بأنّ السنوات القادمة ستؤدّي هذه التغييرات إلى أهدافها وسيشرق للمملكة العربيّة السعوديّة فجرًا جديدا وبخطط تنمويّة وعلميّة تجعل البلاد أيّ المملكة دولة لها مكانتها في الصفوف الأولى بالعالم الجديد … والبداية كانت كما سبق وذكرنا في التطوير الزراعي والصناعات الزراعيّة بداية من زيت الزيتون الذي وصل إنتاجه عام 2021 إلى 65 ألف طنّ من الزيت العالي الجودة إلى صناعة التمور والتين المجفّف والإكتفاء الذاتي بإنتاج القمح المادة الأساسيّة لغذاء المواطن وتصدير الفائض منه إلى العديد من البلدان وأحيانًا تقديمه مجّانًا لبعض الدول الإسلاميّة الفقيرة إلى جانب المليارات من الدولارات التي تقدّمها المملكة العربيّة السعوديّة إلى الدول المحتاجة دون تمييز إسلاميّة كانت أم لا وهذا يدلّ على نبل الاسرة السعوديّة.


يتبع في الفصل القادم:
المملكة العربية السعودية الرابعة باعتلاء الأمير محمّد بن سلمان MBS ولاية العهد ليكون الملك الثامن للمملكة السعودية الثالثة والملك الأوّل للمملكة السعوديّة الرابعة.