عصام صبري-فرانس بالعربي-مصر


“أوكازيون المقابر الجماعية” 150ألف جنيه للمدفن الخلفي، و200ألفا للمدفن الأمامي، ولو وصل بك الحال ل“السوق السودا”، فربما تدفع 650الفًا.. فهل قمت بدفع الرسوم؟!..
عليك بدفع رسوم 500جنيها لخدمة فوري؛ كي يمكنك حجز “مدفن” من جهة حكومية بمحافظات مصر، فليس لك حق الملكية الخالصة، فقط حق انتفاع، وذلك طبقا لقانون الجنايات رقم251 لسنة 1966،وعليه فللدولة الحق في نقل أو استرداد تلك الجبانات وقتما تشاء.. 20متر فقط هو ما يمكنك الحصول عليه لمقبرة تاويك بعد الممات، فقد توقفت المساحات ذات الأربعين والستين مترًا، ولم تصبح سوى للأثرياء جدا..


“برخص التراب” هكذا كان تصورنا عن التراب – طيلة حياتنا-أو هذا ما تربينا عليه، ولم يتوقع أحد بزمنٍ ما أن يصبح التراب أغلى من الذهب يُعيَّر بالجرام!!.. لقد أصبح البحث عن مأوى يواري سوءة بني آدم بعد الممات عبءًا يلازمه طوال الحياة، لم يعد اللغز كامنًا في إيجاد شقة سكنية تحمل بضعًا من الأثاث مكسوًّا بمزيدٍ المفروشات، بل الأدهى هو إيجاد مدفن لامرئٍ مكسوًّا بكفنٍ..



ما بين البياض والسواد


وما بين بياض الأكفان وسواد الأفكار التي أعجزها افتقار الأمل؛ تتجلَّى الحياة التي أثقلتها بعض الهموم والأعباء المُستجدة، لقد أضحى الحصول على مدافن هو حلم كل مواطن بسيط يحلم بمكان يستر جسده وكل أسرته.. لقد أصبحت بعض الحقوق أحلام، فصار من العسير، بل المستحيل ان تجد مدفن لك، وحينما تريد مدفنًا عليك دق باب “السماسرة”.. “التُّربية” وأنت تحمل بجعبتك آلاف الجنيهات بل الملايين،،


أسعار غير مسبوقة



الازدحام الشديد هو سر ارتفاع الأسعار ،وبخاصة مدافن كبرى العائلات، فلك أن تتخيل أن أسعار المقابر يصل إلى 500ألف جنيها في مدينة 6أكتوبر، وهي تمتلئ بالنجيلة، وأبوابها يتم التحكم بها بالريموت كنترول، وكذلك 500ألف جنيها للمدافن المتواجدة أيضا في مدينة نصر بجوار كلية البنات، وتبدأ المساحة من 40مترا تقريبا، وقد تصل بالسعر إلى المليون جنيه، وبالترتيب على التوالي تأتي مقابر مدينة نصر، والتي تصل إلى 300إلى500ألف جنيها، ثم مدافن السويس والتي تبلغ ما بين 180ألف جنيه إلى 300ألف جنيه، ثم منطقة الوفاء والأمل الواقعة بالحي العاشر في مدينة نصر، حيث تتدنى الأسعار قليلا مقارنة بالسابق ذكره، فتصل إلى 60ألف جنيها كبداية،،
ثم تأتي منطقة المرج الجديدة بسعر 45ألف جنيها بالتقسيط إذا أراد الشاري، وفي الأخير مقابر شرعية بمدينة بلبيس تبدأ من 50ألف جنيها.


مقبرة بمليون جنيه

“مقبرة بدورين” ..هل توقعت أن يكون لديك مكان شبيه بذلك مهما كنت ثريا؟!..، ربما تشبه الفيلا التي يعيش بها الأحياء، وهنا يتجلى التباين بين من لا يجدون بضع أمتار تم بناء شقة واحدة عليها، ومن يحتجزون وحدات بملايين لدفن موتاهم، وربما المحاكاة هي ما دفعت بعض قاطني محافظات مصر إلى بناء مقابر تمتلك أكثر من دورين بل وثلاث وأربع، وتكن حجتهم أنه كلما علت المياه الجوفية فهم بحاجة إلى جمع رُفات ذويهم كي لا تغرقها المياه، وكذلك، وكذلك لإيجاد مساحة أكثر ولو بشكل رأسي طولي، حتى يفسحوا المكان لباقي أسرهم كي يستطيعوا دفن جثمان ذويهم ..وما جعل الفقراء خصيصا يلتجأون لتلك الحيلة هو ارتفاع الأسعار الباهظة مقارنة بما يتقاضونه من رواتب ..


تجارة رابحة


احتمالية إصابتك بصدمة حينما تبحث عن عقار للسكن،وتجد كلمات مثل “تشطيب سوبر لوكس ”، أو نصف تشطيب،أو رخام كامل للأرضيات، وفجأة تجد تلك الإعلانات لمقابر وليس لوحدات سكنية للمعيشة، والمفاجأة الحقيقة حينما تعلم السعر الباهظ..ارتفاع أسعار غير مسبوق وصلت نسبة الزيادة بالاسعار إلى نسبة 100%بالمدن الجديدة،في قد تصل الوحدة إلى مليون جنيه، ربما يدعو الأمر للسخرية ولكنه واقع مُعاش..


خدمات مراسم الجنازات


لم يكن غلاء الأسعار هو المأزق النفسي الوحيد الذي سينتابك وقد تراءت أمام عينيك إعلانات مبيعات الجبانات الخمس نجوم؛ بل ستشعر أنك بحاجة لأن تقيم حداد على روحك وتقرأ فاتحة القرآن، حينما تعلم أن هناك شركات قائمة حقا وبها موظفون، من أجل خدمتك بشكل متكامل وتقديم الرعاية لك منذ فقدان عزير لك مرورًا بالإعلان عن المتوفي وتقديم التأبين والمواساة له في إحدى الجرائد، واستخراج شهادة الوفاة وتصريح الدفن، وغسل الميت والتجهيز لمراسم التأبين، ستشعر حقا أن التجارة بالأرواح لم تعد قاصرة على القاطن للدنيا، بل وصلت لحد الراحل منها،،


قاعة رثاء


ربما تمنحك بعض الكلمات – من الشركات المعلنة عن تلك الخدمات- إحساسا بالأمان، وتشعرك من أن هناك من يقف بجانبك، لوقع جمل مثل “ نحن نقدر فقدان الأحبة” على نفسك؛ولكنك سرعان ما ترتطم بالواقع، حينما تعلم أن سعر السيارة التي توصل جثمان الميت للمثوى الأخير تصل إلى 1000جنيه بالقاهرة، و4500خارجها ، وتزداد تعجبا أن هناك تخفيضات على باقة مكونة من حزمة الإجراءات السابق ذكرها كخدمات لأسرة المتوفي، وقد تصل إلى 7000جنيها، بالإضافة إلى فريق متكامل من الشباب يرتدون زيًّا مشرفا لتلك “ الحفلة التأبينية”، ويظلون به طوال اليوم.
وهناك من يضيف بعض الخدمات، مثل تحضير بعض المشروبات والمياه وكراسي لإراحة كبار السن، وتنظيم قاعة التأبين تصل ل9000آلاف جنيها!


على أرض الواقع


وقد تجولتُ كاميرا فرانس بالعربي  في قرى ومدن مصر لأتعرف على مدى صدق ما سمعته وقرأت عنه؛ أصابتني الدهشة حينما وجدت كل شيء حقيقة ولا علاقة له بالخيال !..
إذا اكتشفتُ أن هناك مقابر الوزير، ورغم مرور مائة عام على نشأتها، إلا أن السماسرة قاموا بتطويرها بعد الاستيلاء عليها، هادفين إلى تحقيق أرباح طائلة ولم تندرج طموحاتهم تحت طائلة أي قوانين، وتجد إعلاناتهم على حوائط المقابر وقد قاموا بتسعيرها ب4000جنيها للمتر الواحد، وتصل إلى 8آلاف جنيها، وذلك سواءًا بشارع عمومي أو داخلي، بينما تصل الأسعار بمدينة الجيزة وما حولها إلى 127ألف وصولا ل 760ألف جنيها للمقبرة الواحدة، وتزيد تلك الأسعار فيتم إضافة 5آلاف جنيها عليها، من أجل الحراسة والصيانة ..

أما المقابر الواقعة على طريق الواحات في مدينة 6أكتوبر، باهظة التكاليف حيث تصل تكلفة المقبرة الواقعة بالجهة البحرية وليست على شارع عمومي وتبلغ مساحتها تقريبا 40مترا، إلى 800مترا، بينما التي تقع بشارع عمومي وتطل على أكثر من ناصية ووجه بحري تبلغ مليون جنيها، أما التي تحتوي على ردهة أو صالة كبيرة وبنفس المواصفات تصل إلى 2أو 3 ملايين جنيها..

دوافع وأسباب


أما بالنسبة لباقي مناطق مصر مثل “بورفؤاد”، فالأمر لم يختلف كثيرا، حيث المقبرة الصغيرة التي لا تتعدى اثنى عشر مترا، تتكلف أكثر من ثمانين ألف جنيها، وقد تندهش حين تعلم أن سعرها السابق كان أربعة وعشرون ألفا من الجنيهات فقط..

وهنا يأتي التساؤل الذي يطرح نفسه: لماذا كل تلك الطفرة الانتقالية في زيادة الأسعار الغير مسبوق؟!..والسبب بالطبع هو الزيادة السكانية، فلم تعد المقابر تكفي حاجة الموتى، ما دعى الكثير يبنون تلك الجبانات المتعددة الأدوار ..
وللجمعيات الشرعية في حلوان دور في حل تلك الأزمة، إذ تقدم عرضًا متميزًا، فيقوم كل شخص بسداد 150جنيه شهريا حتى الوفاة، وحينها يجد مكانا لدفنه.