زيد العظم

دمشق أيها السادة مدينة عابرة للقوميات، تصبغ الجميع بصبغتها حيثما ما وفدوا إليها. هي مدينة لا تعترف بالإثنيات داخل حدودها، فلا إثنية تعلُ عليها، لن تسمح لهنَّ أن يتعالوا عليها. هي موجودة قبل مولد الحرف العربي ونزول الأديان الإبراهيمية.

ولأن لكل مدينة من مدن العالم، موغلة كانت في القدم ومتجذرة في التاريخ أو حتى تلك المدن الجديدة المبنية حديثاً، معلم جغرافي تشتهر به، يرتبط اسم هذه المدينة بذاك المعلم ، أكان بحرا أو نهرا، جبلا أم واد،فالعاصمة السورية ارتبط اسمها الأثري بجبلها، الذي ومن قمته رأى الشاعر خليل خوري دمشق وهي تعانق السحب.

جبل قاسيون العلامة الأبرز والأثر الشاهق لمدينة دمشق منذ أن ولد التاريخ. هذا الجبل الذي اختلفت أسمائه وتنوعت ألقابه مع تعاقب الدول وتوالي الممالك على المدينة، وباتت أجزاء من هذا الجبل تكتسب مسميات فرعية.

جبل الصالحية، أحد أشهر الأسماء التي بدأ جزء من جبل قاسيون يتسمى به منذ مالايقل عن سبعمائة عام. وللتنويه حول أصل اسم الصالحية، فهو كناية عن ما اشتهر به المهاجرون المقدسيون الذين وفدوا إلى دمشق أثناء حملة ملك فرنسا لويس السابع على القدس سنة 1155، وماتميزوا به من صلاح، فأصبحت الرقعة الجغرافية التي يقيمون بها شاهدة على طباعهم الحسنة، فسميت بجبل الصالحية “والتي هي اليوم منطقة الشيخ محي الدين نزولا حتى بداية حي العفيف “

جبل الأكراد، هو جزء آخر من جبل قاسيون، في إشارة إلى أسرة صلاح الدين الأيوبي ونسله الذين اتخذوا من منطقة ركن الدين الحالية مقرا ومستقرا لهم في المدينة.

جبل المهاجرين، الجزء الأكثر شهرة من جبل قاسيون في أيامنا الحالية، وتعود التسمية إلى المهاجرين الشركس والبلقان الذين هاجروا إلى دمشق قادمين من كريت اليونانية على إثر المعارك بين السلطنة العثمانية وبين اليونان 1890.

مقدسيين ،أكراد ،شركس، بلقان ،هم مكونات جبل مدينة دمشق عبر مئات السنين التي مضت، بالإضافة إلى باقي القوميات الموجودة أصلا في المدينة.

لا مماراة في أن شمس دمشق قد سطعت، وبأن أبوابها باتت مدخلا للحضارة في عهد القيصر معاوية بن أبي سفيان. فدمشق نحتت اسمها في التاريخ بقلم معاوية، معاوية الذي حرصت أمه هند على أن ينهل من العلم والأدب في دمشق كما تقول بعض المصادر الإغريقية، وهي أي هند بنت عتبة لم تقل لابنها “ثكلتكَ إن لم تسد العرب قاطبة” إلا ليقينها بأن ابنها بما اكتسبه من قسط وافر في المعرفة سيتمكن من التفوق على منافسيه، في الاحتدام بين بيت أمية وبني هاشم على الحكم والسلطة، وهذا ما شعره سعيد عقل عندما كتب : أيّـامَ عاصِمَةُ الدّنيا هُـنَا رَبطَـتْ
بِـعَزمَتَي أُمَـويٍّ عَزْمَـةَ الحِقَـبِ
نادتْ فَهَـبَّ إلى هِنـدٍ و أنـدلُـسٍ
كَغوطةٍ مِن شَبا المُـرَّانِ والقُضُـبِ.

بحسب بعض المصادر وهي ليست بالموثّقة فإن وجود بني أمية في دمشق لا يعود إلى بداية الوجود الإسلامي في المدينة إبان العهد الراشدي، بل يعود إلى عام 533 للميلاد،عندما نشب الخلاف بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس حول تقاسم الزعامة في مكة، حينها انتهى الخلاف بنفي أمية إلى دمشق ليحتضنه تجارها داخل أبواب المدينة العتيقة.

إن قواعد الإنصاف تقتضي الاعتراف بحسن التنظيم العمراني الذي قامت به روما في دمشق عبر هندسة توزيع المياه (بردى والفيجة) وإدخالها إلى البيوت ،وإحداث أسواق متميزة في تلك الحقبة (السوق الطويلة والذي هو اليوم سوق مدحت باشا) فضلا عن الأبواب التي تسوِّرالمدينة والحمامات التي أنشأها الرومان في دمشق.

ولأنني أكتب عن الإنصاف في تناول حقب تاريخية في عمر مدينة دمشق، فيجدر بي الإشارة إلى فضل ماقامت به الدولة الصلاحية أو الأيوبية، في محاولة لإعادة الألق والصبا إلى مدينة دمشق.

فدمشق ومنذ أن غزاها العباسيون عام 749،وتدميرهم لجزء من أبوابها وإحراقهم لأسواقها ونبشهم قبور أموييها، مرورا بالعهد الفاطمي وحكامه الأمازيع وأعوامه المئة والسبع الثقيلة،لم يبنَ فيها مدرسة أو مكتبة، ولم ينشأ بها مسجد أو حمام، باستثناء قلعة دمشق التي بناها أمير الحرب التركي آتسز بن أوق عام 1076 للميلاد عندما حكم دمشق لفترة وجيزة أثناء صراعه مع الفاطميين، حيث أنشأ القلعة كي تكون حصنا لجيشه.

إلى أن جائت أسرة صلاح الدين الأيوبي إبان الحكم الزنكي وبدأت في إعادة دمشق من تحت الأنقاض وكان هذا في بداية 1154.

منذ عام 1186 دخلت دمشق في عهد الأسرة الصلاحية، وبدأت منذ ذاك العام ورشات العمل والبناء تعود إلى المدينة بشكل رسمي وقرار من الحاكم، بعد انقطاع دام لأكثر من 437 سنة، حيث حرص يوسف بن أيوب (صلاح الدين الأيوبي) على إشادة دور العلم عبر بناء المدارس والمكتبات وإنشاء المساجد والحمامات، والتي مازالت إلى يومنا هذا، كالمدرسة الدلامية والعمرية والصاحبة والركنية وغيرها من الشواهد العمرانية الدالة على الجهد الكبير الذي كرسه العهد الصلاحي في محاولة منه لإعادة الوهج إلى دمشق.

سيبقى في وجدان مدينة دمشق ودلائل أوابدها، أن صلاح الدين الأيوبي ونسله قد نفضوا الغبار عنها وأعادوا إليها الكثير من الألق والصبا بعد مئات السنين من الإهمال والتدمير الذي لحق بالمدينة منذ سقوط الدولة الأموية.

لقد رفعت الدولة الصلاحية ومن جديد صروح العلم والتعليم في مدينة دمشق بعد أن تحولت إلى أنقاض وركام، وعادت مياه بردى الفيجة لتغذي دمشق، تماما حيث بدأت تخدق منذ عهد الرومان.