عصام صبري-فرانس بالعربي  

حقيقة أن مصر لم تخرج مراكب الهجرة غير الشرعية، وأوقفت محاولات الجوء للهجرة غير الشرعية عبر شواطئها

تصريحات متكررة دأبت السلطات المصرية على إطلاقها في المحافل الدولية، أن مصر قضت على الهجرة غير الشرعية عبر شواطئها، أصحبت تلك التصريحات ما يمكن إلا أن يطلق عليه استراتيجية الحصار، والتي شملت على مدار ست سنوات إجراءات صارمة بين قوانين غليظة وتدابير أمنية مشددة على السواحل الشمالية، إلى جانب الاتفاقيات الدولية والمبادرات الاجتماعية.


ولكن هل نجحت تلك الاستراتيجية في القضاء على هذه الظاهرة؟

الحلقة المفقودة

دقائق معدودة هو كل ما تحتاج إليه في رحلة البحث عبر الإنترنت تعرف من خلالها أن الرحلات التي تنظمها سماسرة الهجرة غير الشرعية لم تتوقف، بالرغم من كافة الإجراءات الصارمة التي اتخذتها السلطات المصرية على سواحلها، إذ غرق وفقد ما يزيد عن 200 مصري في حوادث غرق بـ 8 مراكب على الأقل منذ مطلع عام 2020 وحتى الآن.


وكشفت وزارة الداخلية الإيطالية في بيان لها، أن مصر احتلت المركز الخامس ضمن الدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين في الشهور الأربعة الأولى من عام 2021 وهو ما يطرح سؤالًا هامًا.. كيف يهرب المصريون إلى أوروبا؟!!.
خط السير البديل
أوضحت تقارير المنظمة الدولية للهجرة، أن أغلبية المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا بالنصف الأول من عام 2021 انطلقوا بنسبة 62% من الشواطئ الليبية، بينما 2% فقط انطلقوا من الشواطئ المصرية.
وأضافت المنظمة، أن المهاجرين المصريين يهربون عبر السواحل المصرية، بينما 33% منهم يتسللون إلى ليبيا عبر الحدود الغربية.
والحقيقة أن ما كشفته تقارير المنظمة الدولية للهجرة تتطابق مع شهادات المصريين الناجيين من المراكب الغارقة، التي تناقلتها وسائل الإعلام والتي تمكن فريق عملنا من توثيق تفاصيلها عبر شهادات خاصة حصلنا عليها من مصريين نجحوا في عبور البحر وصولًا إلى إيطاليا عبر السواحل الليبية.
وفي إحدى الشهادات التي حصلنا عليها، كشف شاب من محافظة الدقهلية عن خط السير الذي سلكه للهروب من مصر والوصول إلى إيطاليا عبر السواحل الليبية، وهذا قبل أن يستقر في مدينه تولين الإيطالية وأخبرنا عن المعاناة التي مر بها في رحلته، والتي بدأت من اتفاقه مع أحد سماسرة الهجرة غير الشرعية والمعروفين في قريته من أجل مساعدته في الهروب إلى إيطاليا وذلك أواخر عام 2017.
وأكد الشاب أن ذلك كان مقابل مبلغ مالي قيمته 28 ألف جنيه مصريًا، وقد بدأت رحلته بالانتقال إلى محافظة الإسكندرية ومنها إلى مرسى مطروح قبل أن ينطلق إلى مدينة السلوم، ووصل في الساعة الثالثة بعد الظهر وقابل أحد الأشخاص الذين قاموا بتخزنينهم في غرفة متوسطة لا يتجاوز حجمها ست أمتار، وبها ما يزيد عن 60 فرد وفي بعض الأحيان تتجاوز 100 فرد “هذا حسب بعض الشهادات التي حصلنا عليها”، متابعًا أنه قبل آذان العشاء انطلقوا لمعاناة جديدة وهي الأصعب والأخطر على حد قوله، وكانت رحلتهم سيرًا على الأقدام لعبور هضبة السلوم عبر الطرق والجبال الواعرة، ومنها إلى مدينة مساعد الليبية، وتنقلوا بين المدن الليبية في الشرق إلى العاصمة طرابلس في الغرب، وتم وضعهم على سفينة انطلقت بهم إلى إيطاليا.
وكشفت شهادات الناجيين، أنه منذ مطلع عام 2017 وقد خطط سماسرة الهجرة غير الشرعية مسارًا بديلًا لتهريب المصريين، وتبدأ بجمع المصريين من منطقة السلوم شمال غرب البلاد ليتنقلوا سيرًا على الاقدام عدة كيلو مترات مخترقين الحدود الغربية عبر هضبة السلوم، وتسليمهم لأحد المهربين في الجانب الليبي من الهضبة ويتوجهوا إلى مدينة مساعد ليتم بيعهم إلى مهرب آخر، من طبرق للمرج لسلوق لاجدابيا، وتستمر الرحلة مرورًا بالجفرة لشورف ثم يصلون إلى منطقة التخزين الرئيسية ببني وليد، ويتم تخزينهم حتى تهدأ الأوضاع ليتم نقلهم أخيرًا إلى طرابلس ليستقل مراكب الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

خط السير البديل للهجرة غير الشرعية، أهدى الحكومة المصرية انتصارًا لتظهر في صورة الدولة القوية التي أحكمت السيطرة على سواحلها الشمالية خدمة لإوروبا، لكن ما هي خطة تلك الدولة القوية لحماية حدودها الغربيه؟.
بوابة الظلام تكشف من خلال روايات الناجيين أن طريق التهريب البري إلى ليبيا يمر من هضبة السلوم شمال المعبر البري، وهي منطقة جبلية تمتد بعمق نحو 10 كيلو متر في الصحراء حتى الشريط الحدودي الفاصل بين مصر وليبيا، يحدها شمالًا البحر المتوسط ويتاخمه على البر منطقة جبلية شديدة الخطورة، واستخدم فريق عملنا عددًا من البرامج ترصد بالأقمار الصناعية التمركزات العسكرية المصرية على الشريط الحدودي شمال معبر السلوم، والذي يبلغ طوله الافتراضي على الخريطة نحو 10 كيلو متر، بينما يبلغ طوله الواقعي نظرًا لطبيعته الجغرافية للمنطقه نحو 15 كيلو متر، وتقوم قوات حرس الحدود بحمايتها خلال خمس نقاط حدودية تبلغ أقل مسافة بين النقطتين منهم نحو 1.2 متر، وتصل أكبر مسافة إلى نحو 3.5 كيلو متر.
وأوضحت شهادة خاصة مسجلة لظابط احتياطي: “أن تأمين الحدود الغربية يقع تحت قيادة اللواء 130 هشام ميكانيكا، ويقع في الفرقة 33 في المنطقة العسكرية، مؤكدًا أن الشريط الحدودي شمال معبر السلوم يتكون بالفعل من خمس نقاط حدودية.
وتابع أن النقاط الحدودية تختلف في تكوينها حسب عدد الأفراد المكلفة بها من المنطقة الجغرافية المكلفة بحمايتها، سواء كانت مجموعة أم فصيل أم سرية، مضيفًا أن كل نقطة حدودية تحتوي على مبيت للجنود وسنديد للمياه وبرج مراقبة، ومخزن سلاح وذخيرة والذي يحتوي على أسلحة خفيفة لأنه لا يسمح لأفراد النقاط الحدودية إلا بحمل السلاح الشخصي للمجند فقط، سواء كان السلاح كلاشنكوف أم رشاش خفيف أم مسدس آربجي، ويقوم بإدارتها صف ظابط ويطلق عليه حكمدار الجماعة، أو ملازم، وفي حال كانت سرية فيقوم بإدارتها نقيب.
وقد حصل فريق العمل الخاص بنا على شهادات آخرى لمجند سابق أدى خدمته العسكرية بمعبر السلوم البري، وأوضح المجند أن الشريط الحدودي شمال المعبر لا يتم حمايته كاملًا، بذات الشكل موضح أن الحدود تبدأ بالأسلاك الشائكة الملاصقة للمعبر لما يزيد عن الكيلو متر أما باقي الشريط الحدودي شمالًا فلا تغطيه كله الأسلاك الشائكة، إذ توجد مناطق مفتوحة بسبب الموانئ الطبيعية كالجبال الواعرة والمناطق الخطرة كمناطق الألغام بالمعبر، وبحر الرمال جنوب المعبر أو مناطق مفتوحة تحت المراقبة العسكرية، وتكون كل نقطة حدودية من النقاط الخمس مسئولة عن تأمين محيطها شمالُا وجنوبًا، وتقوم كل نقطة حدودية بتسيير دوريات من المشاة أو السيارات لحماية الشريط الحدودي، كما تستخدم أبراج مراقبة وأحيانًا الكاميرات.
وبالرغم من ذلك فأن تلك الإجراءات الأمنية المشددة لم تكن كافية لمنع تسلل المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا، فكيف تخترق تلك التحصينات الأمنية خطوط التهريب.
وكشفت شهادات المجندين السابقين التي حصلنا عليها، أن التهريب على الحدود الغربية هي عملية منظمة بشكل كبير وتشمل ثلاثة أنواع من التهريب:
• تهريب المجندين.
• تهريب البضائع.
• تهريب البشر.
إذ يتعاون المجندون مع مهربين لنقلهم من ثكناتهم إلى أقرب نقطة للمواصلات العامة لقضاء الإجازة، وذلك عبر طرق بديلة بالصحراء للهروب من الشرطة العسكرية، كما يتم تهريب البضائع من ليبيا إلى مصر من شمال المعبر، وتلك البضائع يتم تهريبها بالسيارات عبر المناطق التي تمتاز بأن الشريط الحدودي فيها مفتوح وليس به أسلاك شائكة، وليس قريبًا من نقاط المراقبة الحدودية، ويوجد بها أقل عدد من الكمائن وأن تكون قريبة من الطرق الرئيسية بشكل كبير، وأن يكون الشريط الحدودي به شبة ممهد، ليتمكن المهرب من السير بسرعة كبيرة والهروب من المطاردة.
أما تهريب المهاجرين إلى ليبيا، فهو يعتمد على نقل المهاجرين غير الشرعيين بالمناطق الجبلية المفتوحة التي لا تتخللها الأسلاك الشائكة، وتقل بها الدوريات الأمنية وتبعد عن النقاط الأمنية الحدودية.