بقلم عمران أدهم

آلية الخلافة:

في محاولة لإضفاء الطابع المؤسسي على الخلافة أصدر الملك فهد أثناء تولّيه العرش مرسومًا في آذار (مارس) 1992 وسّع فيه معايير الخلافة التي كانت بالأقدميّة والإجماع العائلي، وهذا المرسوم أدّى إلى التكهّنات حول الوراثة. وكان التغيير الأكثر أهميّة في المرسوم هو أنّ الملك له الحقّ في تعيين أوّ عزل وريثه البارز على أساس الملاءة وليس الأقدميّة وعليه أصبح أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز مؤهّلين للعرش. وتجسيدًا لهذا المرسوم عيّن الملك سلمان بن عبد العزيز محمّد بن سلمان MBS وليًا للعهد بعد عزل الأمير محمّد بن نايف لأسباب كانت داخليّة وعائليّة. وهذا التعديل هو الذي سمح للملك عبد الله بن عبد العزيزعام 2005 بتعيين الملك سلمان وليّه للعهد بعد وفاة الأميرين سلطان ونايف. وتعيين الملك سليمان بن عبد العزيز حينه كان بسبب قدرته وكفايته الذهنيّة والجسديّة وهذا أدّى إلى بداية المسيرة الضخمة للتحديث والتجهيز البنيوي وتعديل العلاقات الإجتماعيّة والثقافيّة والفنّية والإنتاجيّة وتطوير وسائل المعلوماتيّة للوصول بالمملكة إلى بلد يضاهي ما تحقق في البلدان الأوروبية واليابان والصين، ويمكن القول بأن غالبية أهداف هذه المسيرو تحقّقت.

وعلى الصعيد الداخلي أقدم ولي العهد الجديد محمد بن سلمان بن عبد العزيز على اعتماد برامج إصلاحية متعددة، حيث كان اعتماد المملكة العربية السعودية على عائدات النفط بشكل أساسي في السابق. ولكن في برنامجه الإصلاحي الجديد أصبح للسياحة دورًا مهمًا وكذلك للصناعة والزراعة وبدأت عجلة التحديث تدور بسرعة كبيرة استفاد منها جيل الشباب وخصوصًا في تطوير المعلوماتية وتخفيف القيود الدينية ومن أهم هذه الإصلاحات أيضًا تخفيف القيود الإدارية، والخصخصة وفتج الأبواب للإستثمارات الخارجية.

وأضف إلى ذلك وقوف الأمير الشاب محمّد بن سلمان MBS وبكلّ جرأة وقوّة بوجه الضغط الأميركي بشخص الرئيس جو بايدن بعدم الرضوخ لمطالبه بزيادة إنتاج النفط والغاز السعودي لتجنّب إنهيار الإقتصاد الأميركي والأوروبي معًا بسبب الحرب الأوكرانيّة الروسيّة وهذا يذكّرني بموقف الملك الراحل فيصل في السبعينات من القرن الماضي أيّ أثناء حرب أوكتوبر 1973 وبعدها عندما إتّخذ القرار بمنع مبيع النفط إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة وهولندا الداعمتين الأساسيتين لإسرائيل في حربها على سوريا ومصر مما أدّى إلى إرتفاع أسعر النفط من 2.2 دولار أميركي إلى 11.8 دولار وصولًا إلى 60 و 70 دولارًا أميركيًا عام 1976. وموقف الأمير محمّد بن سلمان MBS الأخير أذهل الغريب والبعيد قبل القريب ضاربًا عرض الحائط بمصالح الغريب قبل مصالح بلاده وأفهم الجميع بأنّ قرارات المملكة وسياستها مستقلّة عن الرغبات الخارجية مهما عظمت هذه الدول. وأعلن بكلّ جرأة إستقلاليّة القرار السعودي تجاه الصراعات والحروب خارج حدود المملكة أوّلًا والبلاد العربيّة ثانيًا. وأفهم الجميع أنّ لا هيمنة لأحد على القرار السعودي مهما عظم شأن الدولة أو الزعيم ولأوّل مرّة تنكسر هيبة الولايات المتّحدة الأميركيّة وكان لذلك تأثير كبير على التغييرات التي قامت بها كلّ من الصين وروسيا، إضافة إلى الإذلال الأوّل الذي سبق قرار ولي العهد محمّد بن سلمان وهو الإنسحاب المذلّ لجيوش ما يسمّى بالدولة العظمى من أفغانستان وهذا ما يؤكّد لنا وللعالم أجمع تراجع الهيمنة الأميركيّة على القرارات الدوليّة التي كانت تتحكّم بها منفردة منذ إنهيار الإتّحاد السوفياتي.

وإتّضح للعالم أجمع إنّ عظمة أميركا بدأت تتلاشى كما إتّضح أيضًا بأنّ الولايات المتّحدة لا تريد التعامل مع دول العالم بأخلاق ولذلك بدأ ما يسمّى بحلفاء أميركا في التسابق بالتخلّي عن هذه الروابط وهذا هو الطريق الذي سيؤدّي بها إلى السقوط والتفكك وإنهيار العملة الخضراء (الدولار) رويدًا رويدًا ولن يكون ذلك بالبعيد حيث سيكون التبادل التجاري العالمي مستقبلًا بعملة (النقد) المغطّى بالذهب والأقتصاد معًا وهو الطريق الذي تسلكه الصين وروسيا حيث العملة الخضراء لا تغطية لها منذ أنّ أعلن نيكسون أثناء حرب فييتنام إلغاء التغطبة بالذهب للدولار.

وهنا أؤكّد أنّ أهميّة القرارات السعودية بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمّد MBS قلبت الموازين وبدأ حلفاء الولايات المتّحدة الأميركيّو يفكّرون بالإبتعاد مدركين بأنّ هذه الدولة التي كانت تسمّى بالأمس بالعظمى بدأت بالتلاشي وفقدان هيبتها وعظمتها وما سبق وأتفق عليه في مؤتمر يالطا وما سمّي بإتّفاقيّة يالطا الموقّعة بين الإتّحاد السوفياتي بزعامة ستالين والمملكة المتّحدة (بريطانيا) بزعامة تشرشل والولايات المتّحدة الأميركيّة بزعامة روزفلت إنتهى مفعوله فبعد المؤامرات الأميركيّة التي حيكت لتفكيك الإتّحاد السوفياتي وسقوط حلف وارسو ومع طموحات الولايات المتّحدة الأميركيّة بضمّ دول أوروبا الشرقيّة سابقًا والوصول إلى العديد من دول الإتّحاد السوفياتي السابق – أوكرانيا وجورجيا وغيرها إلى حلف الناتو إلّا حلمًا وهذا الحلم سيؤدّي إلى تفكك أميركا أيّ الولايات المتّحدة الأميركيّة وزوال الدولار حيث قيمة ورقة المائة دولار التي نتعامل دوليًا كلفتها الحقيقيّة 3 سنتات وهنا أقول أنّ غدًا لناظره قريب.

وبالعودة للطريق إلى المملكة العربية السعوديّة الرابعة أعود أيضًا إلى عام 2005 وبرنامج الملك عبد العزيز الذي وضع اللبنة الأولى في إنفتاح البلاد وبدأها بإجراء أوّل إنتخابات بلديّة في البلاد وتبعه قانونٌ جيّدُ عام 2006 في إصلاح سياسات الخلافة وشجّع مع ولي عهده الأمير سلمان في حينه على التوسّع في بناء الجامعات والكلّيات للعلوم والتكنولوجيا والمؤسسة المختلطة للبحث العلمي وعلينا أنّ نذكر بأنّه في عام 2010 حصلت مخصّصات التعليم وحدها على 10% من إجمالي الميزانيّة وهذه الميزانيّة ربّما تكون الأولى بين الدول المتقدّمة وفي حينه تعهّد الأمير سلمان الذي أصبح فيما بعد ملكًا عام 2015 بأنّه سيتم إنفاق 400 مليار دولار لتحسين التعليم والرعاية الصحّية والبنية التحتيّة، إضافة إلى القرار الذي إتّخذه عام 2011 بحقّ المرأة للتصويت في إنتخابات المجالس البلديّة، وفي عام 2012 سمحت المملكة العربية السعوديّة لنسائها بالمنافسة في الألعاب الأولمبيّة وبتوصية من الأمير سلمان بن عبد العزيز في عام 2013 عيّن الملك عبد الله بن عبد العزيز 30 إمرأة في مجلس الشورى وعدّل القانون ذي الصلة بالخلافة، وفي عام 2015 بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز وإستلام الملك سلمان السلطة لم يضيّع الوقت ولقد إستفاد من التغييرات في عمليّة الخلافة التي بدأها الملك محمّد وصقلها الملك عبد الله بالإنتقال إلى الشباب أيّ أحفاد الملك المؤسّس عبد العزيز بتعيين الأمير نايف وليًا للعهد والأمير محمّد بن سلمان وليًا لولي العهد ولأسباب خاصّة بالعائلة تمّ عزل الأوّل وتعيين الأمير محمّد بن سلمان وليًا للعهد إضافة إلى مناصبه الأخرى وزيرًا للدفاع ورئيسًا للهيئة السعوديّة للإستثمار ومعه دخلت المملكة العربيّة السعوديّة فجرًا جديدًا بخطط تنمية لم يسبق لها مثيل في الدول المتحضّرة وحدّد أهدافًا لهذه الخطط وبرنامجًا لتحقيقها بحلول عام 2030 وأحد أهدافها الرئيسيّة الإعتماد على الطاقة الخضراء أيّ الزراعة والصناعة المتقدّمة والسياحة وهنا أشير إلى أنّ هذا الشاب الأمير محمّد بن سلمان أصبح لاعبًا كبيرًا ومهمًّا على الساحة الدوليّة وجعل المملكة العربيّة السعوديّة ذات مكانة كبيرة بين الدول العظمى وعملتها الريال السعودي من الأهميّة لسببين كبيرين – أوّلًا لإقتصاد المملكة القوي وللإحتياطي في الذهب الذي بلغ 350 طنًّا وهو في إزدياد مستمرّ حيث عدد المناجم في المملكة وصل إلى 6 وفي حجم إنتاج يزداد بشكل كبير سنويًا حيث يقدّر إحتياطي الذهب تحت أراضي المملكة العربيّة السعوديّة بـ 330 ألف طنّ حتى يومنا هذا، وبلغت قيمة إجمالي إحتياطي التعدين في السعوديّة نحو 1.4 ترليون دولار، ومتوقّعًا أنّ يتنامى قطاع إنتاج الذهب في المملكة خلال السنوات المقبلة إلى ثلاثة أضعاف، ووفقًا للبيانات الرسميّة يبلغ عدد المصانع المنتجة لسبائك الذهب والفضّة في المملكة نحو 6 مصانع وبحجم إستثمار يتجاوز 5.5 مليار دولار، وهذا إلى إنتاج النفط والغاز ممّا يجعل الريال السعودي اليوم من أقوى العملات والنقدفي العالم بتغطية من الذهب والنفط والثروة المعدنيّة وعليه من المؤكّد أنّ بإستطاعة الأمير (ملك المستقبل) محمّد بن سلمان أنّ يدخل سوق التبادل التجاري العالمي وبالمستقبل القريب بالريال السعودي بدلًا من الدولار الأميركي حيث جميعنا نلاحظ بداية زواله.

فالولايات المتّحدة الأميركيّة مثقلة بالديون وإقتصادها يتراجع وعظمتها بطريق الزوال كما تفكّكها ليس بالبعيد وحتمًا سيكون بحروب داخليّة دمويّة، وما فعلته بالإتّحاد السوفياتي السابق سيطرق بابها بالقريب بداية من ولاية تكساس التي تقع في وسط جنوب البلاد والتي كانت أراضي مكسيكيّة حتى عام 1836 وفي عام 1845 إنضمّت إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة لتكون الولاية الثانية والعشرين. وكذلك هي الحال بالنسبة لولاية كاليفورنيا التي تقع على الساحل الغربي للولايات المتّحد الأميركيّة وتحدّها من الشمال ولاية أوريغون ومن الشمال الشرقي ولاية نيفادا وأريزونا من الجنوب – الشرقي ….. كاليفورنيا المكسيكيّة من الجنوب وكانت جزءًا من المكسيك حتى عام 1847 حيث أجبرت على التنازل عنها بتوقيع معاهدة 1848 وحينها دفعت الولايات المتّحدة الأميركيّة للمكسيك مبلغًا وقدره 15 مليون دولار مقابل التنازل عنها. من كلّ ذلك نستنتج إنّ العدّ التنازلي لتفكّك الولايات المتّحدة الأميركيّة بدأ وسيسلك طريقه بسرعة والدولار الأميركي إلى الإنهيار بل للزوال وما يقوم به الأمير محمّد بن سلمان مدروس وبعقليّة منفتحة وذكيّة نحو قيادة بلاده للصفوف الأولى إقتصاديًا بين دول العالم وسياسة الإنفتاح التي يقودها داخليًا وخارجيًا ستجعل الريال السعودي النقد الأوفر حظًّا في التعامل التجاري الدولي.

وبالعودة إلى طريق المملكة السعوديّة الرابعة ذات الموقع الأستراتيجي المهمّ الذي يربط القارات الثلاث: أفريقيا وآسيا وأوروبا، فهي تعتمد على ثلاثة محاور وهي التالية:

المجتمع الحيوي والإقتصاد المزدهر وإلتفاف الشعب وراء الأمير محمد بن سلمان وطموحاته في مختلف الأصعدة في سبيل تحقيق أهداف السعوديين برؤية مبنيّة على مكامن قوّة وقدرات كبيرة إقتصاديّة وتكنولوجيا متقدّمة ورؤية 2030 حققت الكثير حتى يومنا هذا منذ بداية إنطلاقها ومنها:

  1. إقتصاد مزدهر ومشاركة المرأة في القوى العاملة.
  2. وسمت أصول صندوق الإستثمارات العامّة بشكلٍ كبير لم يسبق له مثيل في أيّ بلد آخر حيث إرتفعت مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسّطة في الناتج المحلّي الإجمالي.
  3. في موضوع الشعب والوطن الطموح حقق هذا المحور تقدّمًا في ركيزتيّ الحكومة الفاعلة، حيث إرتقعت الإيرادات غير النفطيّة بشكلٍ ملحوظ وكبير.

هذا كلّه يعود بنا إلى العام 2016 حيث بدأت الرحلة المستقبليّة للأفضل وللتطوير برؤيته لمشروعه 2020-2030 وهي رؤية ثاقبة وطموحة تعبّر عن مدى إيمانه بقدرة الشعب إلى جانب إمكانات البلاد بالثروات المتنوّعة إلى جانب الموقع الإستراتيجي للمملكة الذي يربط القارات الثلاث إلى جانب موقعها العربي الإسلامي.

وهنا نلاحظ بأنّه خلال الأعوام الخمسة الماضية خصّصه الأمير محمّد بن سلمان من إنجازات إقتصاديّة ودينيّة أذهل العالم بأجمعه وهذا كلّه كان له الأثر الأكبر في عجلة التنميو ونلاحظ أنّ الإنجاز ما زال مستمرًّا والأرقام في صعود وإلتفاف الشعب وراء الأمير MBS يزداد وفي صعود كبير، ومع إدراك العالم للدور الإقتصادي الهام للمملكة دفع بالعديد من دول العالم إلى إيجاد مكان لها في المملكة لإقتناعها بمتانة الإقتصاد السعودي وخطّة الأمير محمّد بن سلمان الذي جعل من المملكة المكان المناسب والآمن إقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا للتوظيفات، وعليه نستنتج إنّ سوق السعوديّة أصبح منافس أسواق طوكيو ونيويورك ولندن. ولقد حلّت المملكة العربية السعوديّة في عام 2022 في المركز 10 من الترتيب العالمي بين مجموع الدول الخمسين الأولى إقتصاديًا.

وهنا نلاحظ أنّ خطّة الأمير محمّد بن سلمان في طريقها للوصول إلى الصفوف الأولى قبل عام 2030 ووفقًا لدراسة أجراها البنك الدولي عام 2021 أشار إلى أن السعودية تتجه إلى التفوق اقتصاديًا على أكبر الدول المتقدمة التي تسمى الدول العظمى هذا جنبًا إلى جنب مع تطوير البنية التحتية المميزة وخلق مناخ استثماري مميز لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبختام هذا المقطع يمكننا القول أن رؤية الأمير محمد بن سليمان لعام 20/30 أثبتت نجاحها وصوابيتها لمستقبل مزدهر للشعب السعودي ولو صنع مكانة المملكة في صفوف الدول العظمى.

يتبع في فصل جديد الطريق إلى المملكة السعودية الرابعة بقيادة الأمير محمد بن سلمان MBS