هند الصنعاني

كنت طفلة عندما شاهدت فيلما أمريكيا ظلت أحداثه تسكن ذاكرتي إلى يومنا هذا، كانت “بيتي” الطبيبة الأمريكية المتزوجة من الإيراني “مودي” والذي أنجبت منه ابنة تدعى “محتوب”، تحولت حياتها إلى كابوس عندما طلب منها زوجها مرافقته إلى ايران لقضاء العطلة، لم تكن تعلم أنها ستواجه أياما سوداء مليئة بالخوف والرعب لأنها لم تكن سوى عطلة مزعومة الغرض منها العودة النهائية الى بلده الأم.

لم تتقبل “بيتي” الوضعية الجديدة في ظل القوانين الإيرانية وعاداتهم وتقاليدهم وأيضا التطرف والتشدد الديني، وقررت العودة وابنتها الى أمريكا، هذا الطلب الذي قوبل بالتأكيد بالرفض من الزوج واقترح عليها العودة بدون ابنتها، لكن بدورها رفضت هذا الاقتراح رفضا تاما وماكان أمامها إلا اختيار رحلة الهروب بالطرق الغير مشروعة، وبعد أيام من الكفاح والشقاء، عادت “بيتي” إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتقود معركة من أجل النساء اللواتي يعشن في وضع مشابه لوضعها حتى تم اعتماد قانون حكومي.

ثلاثة ملايين كان هو عدد النسخ التي بيعت في فرنسا عندما تحولت معاناة “بيتي” الى رواية مبهرة تعاطف العالم من خلالها مع الأم التي رفضت التخلي عن ابنتها ورفضت أيضا الرضوخ أمام حياة العبودية والتطرف.

عادت هذه القصة اليوم إلى مخيلتي وانا اتابع احداث قصة مشابهة بطلتها تدعى “فرح” المدرسة “الأوروبية” ذات الأصول العربية، انفصلت عن زوجها التاني الأوروبي الجنسية ذات الأصول الإفريقية،وأصبحت تعول طفلين ولد من الطليق الأول وبنت من الطليق الإفريقي تدعى”شايا” ، لكي تضمن “فرح” لأولادها حياة كريمة، قررت الرحيل إلى دولة عربية للعمل، لكن قرارها هذا كان أول خطوة في رحلة العذاب بل السجن، فقانون الدولة التي تنتمي إليها سحب منها حضانة ابنتها “شايا” البالغة من العمر سنتين فقط انذاك وابنها كان يبلغ سبع سنوات،وافترقا الأخوان بموجب قانون الدولة، وألزمها بمصاريف معيشية سيستفيد منها الأب كونه ولي امرها، وهنا اقف شكرا لله على ديننا الإسلامي الذي كرم المرأة ووهبها حق الحضانة والزم الزوج بالمصاريف.

وبعد سنوات من المحاولات الفاشلة لاسترجاع طفلتها إلى أحضانها، و كأي أم تسيطر عليها مشاعر الأمومة، لم تتقبل التخلي عن ابنتها، قررت “فرح” الهرب بها الى دولة عربية وبطريقة غير مشروعة.

وفعلا، نجحت “فرح” في الهروب تاركة خطابا موجها للسلطات القضائية تشرح فيه سبب الهروب وتتوسلهم بأن يتركوا ابنتها ذات الست سنوات في أحضانها خصوصا أن والد الطفلة لم يكن الشخص الأمين عليها طوال حياتها، وكيف له أن يكون أمينا وبسببه عاشت الطفلة أياما مؤلمة انتهت بها داخل السجن كالمجرمين.
حطت فرح رحالها في الدولة العربية ، استطاعت بفضل الله وبفضل شهاداتها العاليا ايجاد عمل بكل سهولة وتوفير الأمن والاستقرار لطفليها، إلى ان تفاجأت يوما أن والد الطفلة أمام باب المدرسة ومعه مجموعة من الأشخاص المسلحين يحاولون خطف ابنتها من أمام المدرسة، وفعلا وأمام أنظار الجميع نجحوا في خطفها وتوجهوا الى المطار في اليوم التالي من أجل المغادرة، لكن تمكنت الشرطة من ايقافهم ومنعهم من السفر وارجاع الطفلة إلى أمها عن طريق المحكمة ومنحها حق الاحتفاظ بابنتها وألزم القاضي “الأب” بالعودة إلى بلده بعد إمضاء التزام منه بذلك.

لم يكن وحده الوالد من وقع إقرارا، فقد ألزموا “فرح” أيضا بإمضاء إقرار منها على عدم متابعتهم قانونيا أو حتى الحديث في الواقعة مع أي جهة إعلامية.

عادت فرح بصحبة ابنتها المصابة بصدمة نفسية عنيفة، وهي تظن ان المطاردة انتهت لتتفاجئ بعد ذلك بالقبض عليها وابنتها وابنها أيضا الذي لا دخل له بالموضوع فهو ابن رجل آخر، وترحيلهم وهم محاطين بعدد كبير من الضباط الى قسم الشرطة بمدينة أخرى بواسطة سيارة الترحيلات في رحلة طويلة دامت لساعات.

قبض على فرح من طرف الشرطة الدولية الإنتربول بصحبة طفليها وحجزوا في قسم الشرطة لأيام عديدة في انتظار ترحيلهم الى الدولة الأوروبية بتهمة خطف ابنتها والتي حكم عليها بسنة سجن نافذة.

“بيتي” الأمريكية كرمت في بلدها لأنها في نظرهم تلك الأم الشجاعة التي استطاعت خطف ابنتها والهرب بها بعيدا عن مجتمع في نظرهم غير آمن وابعاد الطفلة عن أب ظالم، أما “فرح” ذات الأصول العربية فقد حكم عليها بالسجن لأنها هي أيضا خطفت ابنتها ورفضت التخلي عنها وسط مجتمع هي أيضا تراه غير آمن على ابنتها، رفضت تترك طفلة بريئة لأب فضل تدمير طفلته نفسيا وجعلها تعيش أسوء أيام حياتها وكان سببا لدخولها إلى مراكز الشرطة إلى جانب المجرمين والقتلة، “فرح” المدرسة المحترمة التي قدمت أجيالا للمجتمع والتي أصبحت في نظر القانون “متهمة” وعليها حكم واجب التنفيذ يكفيها اليوم أنها في نظر ابنتها البطلة التي صارعت وقاومت وسجنت للاحتفاظ بها…لم تنتهي القصة، ستمر الأيام وتكبر “شايا” مثلما كبرت “محتوب” لتحكي لنا عن تجربتها التي لن تنساها أبدا …وللحديث بقية…