بقلم لجين المليحان

يوم بعد يوم تتجلى أطماع روسيا في الكثير من المناطق وتسعى جاهدة لمد نفوذها لتتجاوز أحلامها بالوصول للمياه الدافئة لتصل إلى قلب القارة السمراء المكان الأكثر سخونة والأكثر ثروات باطنية والمزدحمة بالأوروبيين ، فأضحت تنتقل من تحت النفوذ الفرنسي إلى تحت الاحتلال الروسي، وتتوسع في أكثر من مكان حيث وصلت إلى مالي المكتظة بالتواجد الأوروبي الكبير ليبدأ عصر جديد من الصراع على الرمال والذي أسفر عن انسحاب قوات أوروبية.


لجأ القادة الجدد في مالي إلى نشر قوات فاغنر أحد أذرع القوات الروسية داخل البلاد وعقد اتفاقيات دفاعية مع الروس كالتي عقدها بشار الأسد قبلهم وبذات الذريعة التصدي لجماعات مسلحة.


أهداف وأطماع روسية:


بعد الانسحاب العسكري الفرنسي من مالي والذي دام تسعة أعوام فالجميع يتحدث عن البديل الذي سيملأ الفراغ هناك، فالأنظار جميعها تتجه إلى روسيا التي بدأت تزاحم أوروبا في مناطق القارة السمراء ،فروسيا اليوم تتواجد في العديد من دول أفريقيا كليبيا والسودان والكونغو الديمقراطية وانجولا وموزنبيق ومدغشقر وأفريقيا الوسطى التي كانت فرنسا تتواجد فيها سابقا وسحبت روسيا البساط من تحتها، والتواجد الروسي إن لم يكن عن طريق قوات روسية يكون عن طريق خبراء روس في مناطق عدة من إفريقيا ، ففي مالي قد أعلنت سلطات النظام العسكري المالي أنها تستعين بمدربين عسكريين روس وكما تشير أيضا تقارير إعلامية إلى أن ذلك لا يقتصر على المستشارين بل توجد قوات روسية والمعروفة بقوات فاغنر وهذا ما تنفيه روسيا. ويثير الوجود الروسي في مالي التساؤلات الجيوسياسية التي سوف تتشكل في المنطقة بعد الانسحاب الفرنسي.
تدخل مالي على خط التنافس الدولي مع الحديث عن التواجد الروسي المتمثل بقوات فاغنر الروسية إلى البلاد مما سيوسع نطاق النفوذ الروسي في الشؤون الأمنية لمنطقة غربي أفريقيا، ولقد أفادت مصادر أوروبية أمنية سابقا أن أكثر من ألفي عنصر من قوات فاغنر قد يشاركون في الأمر، وبينما ذكر مراقبون أن وجود فاغنر يهدف إلى تعزيز النفوذ الروسي غرب إفريقيا القارة السمراء.
تعود بنا الذاكرة إلى ديسمبر 2021 عندما وقعت فاغنر عقدا مع المجلس العسكري بمالي بموجبه تحصل فاغنر على 10 ملايين دولار مقابل القتال ضد الجماعات المسلحة وغيره من أعمال إجرامية كما حدث في سورية وليبيا وأذربيجان وغيرها من الدول، لتظهر طموحات أخرى لفاغنر تتخطى تعاقد برواتب شهرية لمرتزقتها وهي السعي وراء ثروات مالي الكثيرة من المعادن ونهبها وأولها الذهب وعوامل ضعف مالي وكثرة خيراتها جعلها قبلة مهمة لروسيا التي تقديم خدماتها لمالي لتحصل على أهدافها من خلال قوات فاغنر.
ولا ننسى الوجود الروسي ونفوذه في ليبيا وتحديدا في سرت _على الرغم من أنّ ليبيا لا تربطها مع مالي حدود برية_ ومن المهم لدى روسيا نفوذها في ليبيا الواقعة على البحر المتوسط لتكون طريقها لنقل ثروات مالي عبرها أيضا فكما نعرف أن مالي هي دولة حبسية ليس لها حدود بحرية.


قوات فاغنر تشابه لحد التطابق في سوريا ومالي:


وفيما سبق شارك عناصر فاغنر في تدريب قوات جيش بشار الأسد فلقد شاركوا في أعمال قتالية ضد الفصائل المعارضة لنظام بشار الأسد، وتجلت مساعدتهم في استعادة سيطرة نظام بشار على مناطق البادية السورية من قبضة تنظيم داعش في فبراير ومارس 2016. وهي المعركة التي فقدت فيها فاغنر 32 مقاتلا من بين 2500 عنصرا شاركوا في القتال.وفي عام2017 أيضا ساعدت قوات بشار الأسد من أجل استعادة مدينة تدمر، وقد زُودوا خلال القتال بأسلحة ثقيلة مثل دبابات القتال وقاذفات صواريخ غراد المتعددة ومدافع الهاوتزر . وتشكلت قوات فاغنر خلال تلك المعارك من أربع سرايا استطلاع، وسرية دبابات، ومجموعة مدفعية مشتركة، ووحدات استخبارات وأعمال لوجستية.
في أكتوبر من عام 2013 طلب نظام بشار الأسد من (مجموعة موران للأمن) المساعدة في استعادة السيطرة على البنية التحتية للنفط والغاز التي استولى عليها تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك قبل عامين من دخول روسيا بشكل رسمي في الصراع السوري. وللقيام بتلك المهمة أسست (مجموعة موران للأمن) شركة فرعية في هونج كونج تُسمى الفيالق السلافية (Slavonic-Corpus) يمتلكها فاديم جوسيف نائب مدير مجموعة موران.
أسس أوتكين شركة فاغنر في عام 2014 على اسم الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر(1813-1883)، وكان أول ظهور لفاغنر في مارس 2014 لأول مرة في أوكرانيا وجرى قتال بينهم وبين أوكرانيا شرقي البلاد، ومع تراجع القتال في أوكرانيا، نُقل عناصر فاغنر في عام 2015 إلى قاعدة تدريب سرية في مولينكو بمنطقة كراسنودار بجوار منشأة تدريب تابعة للقوات الخاصة العاملة ضمن اللواء العاشر في الاستخبارات العسكرية (GRU) في جنوب روسيا. وظل أوتكين يقود فاغنر عسكريا في حين بدأ دورها يتوسع بمرور الوقت في سوريا حيث استفاد عناصرها من القواعد العسكرية الروسية والشبكات اللوجستية الموجودة هناك.
تعمل فاغنر تحت مظلة الدولة الروسية وبالتحديد تحت إشراف جهاز الاستخبارات العسكرية، لكن لديها حيز خاص مستقل تعمل في إطاره، وهو ما كشفه هجوم المئات من عناصر فاغنر على مصنع غاز كونوكو في محافظة دير الزور بسوريا في 7فبراير 2018، وهو المصنع الذي يقع ضمن مناطق سيطرة المليشيات الكردية الحليفة لواشنطن. فعندما تقدم مقاتلو فاغنر وحلفاؤهم من نظام بشار الأسد لمهاجمة الموقع، حذر المسؤولون العسكريون الأمريكيون نظراءهم الروس لسحب القوات المهاجمة عبر خط تواصل مباشر، فردّ الجيش الروسي بنفي أي علم له بالقوة المتقدمة، فهاجمها الجيش الأميركي جوا بضراوة ليقتل ما يصل إلى 200 من مقاتلي فاغنر.

بينما في مالي أيضا تم تلقي الجيش المالي تدريبات عسكرية من قبل قوات فاغنر لمواجهة الجهاديين الإسلاميين كما تصفهم، ويتزايد اهتمام روسيا بمد نفوذها في القارة الأفريقية حيث صدرت 39% من الأسلحة المصدرة إلى القارة خلال الفترة من 2013 إلى 2017. كما أبرمت موسكو 19 اتفاقية تعاون عسكري مع دول أفريقية، وفي ظل تلك المعطيات رُصد انتشار عناصر فاغنر في عمق مالي وبحسب صحيفة لوبريسيان فرنسا قدمت أدلة للدول الأوروبية والرأي العام أنه فعلا القوات الروسية وصلت إلى مالي وتم رصد حركة في المطار لطائرات نقل لأفراد تابعة للجيش الروسي تهبط هناك بالإضافة إلى ظهور جنود روس يطلبون كميات كبيرة من الطعام في مطار بماكو في عاصمة مالي وتم رصد بناء معسكر عسكري مخصص لاستيعاب مجموعة كبيرة من المرتزقة وهذه الأدلة ترفضها روسيا فهي تريد أن تنسب الانتصار لروسيا بحال حدوثه بالمستقبل ولصق الهزيمة إذا وقعت لقوات فاغنر الستار التي تعمل تحته لأعمالها الإجرامية وهذه قاعدة في السياسة واسمها “لم أقلها ولكنها لا تسوؤني “.


الانسحاب الفرنسي:


يعود هذا القرار إلى ﺃﺳﺒﺎﺏ ﻫﻴﻜﻠﻴﺔ ظاهرية لعجز السلطات الانتقالية تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية والقيام بوظائفها وضبط الشارع المالي، ﻭﺃﺳﺒﺎﺏ ﺃﻣﻨﻴﺔ؛ ﺣﻴﺚ ﺗﺤﻮﻟﺖ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺇﻟﻰ ﺑﺆﺭﺓ ﻟﻺﺭﻫﺎﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻭﺍﻟﻤﺤﻠﻲ، ﻭﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ؛ ﺣﻴﺚ ﺍﺳﺘﺠﺪ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺍﻷﺟﻨﺒﻲ ﺗﻤﺜﻠﻪ ﺭﻭﺳﻴﺎ ﻭﺍﻟﺼﻴﻦ، ولكن في السبب المستتر خيبة فرنسية من تغير موقف حكام مالي منذ أن تدخلت روسيا هناك، فمصلحة فرنسا في مالي كانت تتمثل في عدم تحول هذا البلد إلى قاعة خلفية للإرهاب مما يهدد أمن أوروبا وتحولها ممر للهجرة باتجاه أوروبا في الفترات اللاحقة.
بعد إعلان رئاسة الأركان الفرنسية انسحابها من مالي أنهت بذلك وجودًا عسكريًّا دام تسعة أعوام لتنفيذ عملية برخان ضد ما تصفه فرنسا بالجهاديين الإسلاميين، بعد هذا الانسحاب ستصبح النيجر المقر الرئيسي للقوات الفرنسية قرابة ألف جندي سيتمركزون في نيامي عاصمة النيجر مع عتادهم العسكري وإضافة إلى ذلك يوجد 400 جندي على حدود بوركينا فاسو مالي كما سيوجد نحو ألف جندي في تشاد.


خطوة إيرانية لموطئ قدم في مالي:


وفي إطار ليس ببعيد؛ إطار التحالفات والمصالح نلاحظ أنّه أينما تحط روسيا رحالها فإنّ موطئ قدم يكون لإيران حليفة روسيا، فلقد حط وزير الخارجية الإيراني في بماكو عاصمة مالي يوم أمس الثلاثاء من شهر أغسطس الجاري لافتتاح الدورة الأولى من أعمال اللجنة المشتركة بين الدولتين و تبدو هذه الزيارة الأولى لوزير الخارجية الإيراني منذ تسلمه لمنصبه العام الماضي في حكومة إبراهيم رئيسي كسرًا لفترة يمكن وصفها بالفاترة حيال القارة السمراء خلال السنوات الماضية لكن هذا التوجه الإيراني نحو القارة الإفريقية ليس بالأمر الجديد وقد مر بمراحل عدة على اختلاف الظروف والسياقات والأساليب فمن المعروف أن السعي الإيراني لإيجاد موطئ قدم في إفريقيا يعود لعقود مضت وحتى قبل الثورة الإيرانية عام 1979م، ولكن يمكن القول إن تثبيت التوجه الإيراني في الدول الإفريقية جرى تنفيذه عبر إستراتيجيتين مختلفتين تحديدا خلال العقدين الأخيرين.


خاتمة:


في ظل تزايد أنشطة فاغنر في القارة السمراء وأوكرانيا وما يمثله ذلك من تصاعد للنفوذ الروسي سياسيا واقتصاديا وتجاريا وعسكريا، فقد فرضت أمريكا عقوبات ضد فاغنر ، كما اتهمت وزارة العدل الأمريكية في 2018 بريغوزين بالتدخل في الحملة الرئاسية الأمريكية لعام 2016 عبر تمويله حملات تضليل على وسائل التواصل الاجتماعي تدفع باتجاه انتخاب دونالد ترامب، تلك العقوبات تمثل ضغطا على فاغنر والدول التي تفكر في الاستعانة بها.