بقلم لجين المليحان

عاد الحديث بقوة الإتفاق النووي الإيراني في جولته الأخيرة بالعاصمة النمساوية فيينا ورجع الأمل لكلا الطرفين بعدما بدى الأفق مسدود.. حيث تزداد فرص الوصول لإتفاق نووي أكثر من أي وقت مضى.. وترتفع لغة التقارب بين الفرقاء، وتطغى على ردودهم الرسمية فكان الإعلان عن مسودة تسوية أوروبية الحد الفصل نوعا ما عن إمكانية التوصل إلى حل طال انتظاره.


مراوغات طهران:
وضعت إيران عدة شروط للعودة كان أولها إغلاق وكالة الطاقة الذرية التحقيقات التي تجريها في أنشطة نووية إيرانية لم يعلن عنها.
أما الثاني فيشمل وضع ضمانات في حالة خروج الرئيس الأمريكي المقبل من الاتفاق كما خرج الرئيس ترامب.
بدورها، تعلن وكالة الطاقة الذرية أنها ليست طرفا في هذا الاتفاق السياسي بين إيران وبين الدول التي تتفاوض معها، مبررة كونها وكالة دولية تحقق في أي أنشطة نووية عليها علامات إستفهام.. وفي حالة إيران وجدنا عينات يورانيوم مخصب موجود في ثلاثة مواقع إيرانية لم تعلن عنها إيران من قبل.
كما طلبت إيران ضمانات أخرى للتحايل من أجل الاتفاق النووي، في ظل عجز بايدن عن تأمين ضمانات للإيرانيين باستمرار الاتفاق عبر معاهدة يوقع عليها الكونغرس، كما أنه لا يستطيع السيطرة على تصرفات وأولويات الرئيس المقبل.. تقاطعات جعلت إيران تطلب أن توقع على الاتفاق لكن بدلا من تدمير البرنامج النووي الحالي؛ تحتفظ به كما هو مجمدًا تحت إشراف وكالة الطاقة الذرية والمجتمع الدولي (مجمد على أرضها وليس مدمرا ولا مصادرا للعالم الخارجي).
فإذا إلتزم الرئيس الأمريكي المقبل، فالوضع جيد، إذا لم يلتزم يتم فك التجميد وتعود من حيث توقفت.
لكن، رفض الأمريكان الشرطين الأخيرين،رغم اعتبار الأوروبيين التحفظات معقولة..وتحل خلافًا كبيرًا. يمكن التفسير بأن واشنطن لديها أسباب كثيرة أبرزها هو الرفض الإسرائيلي وهناك اعتبارات أخرى كالحصول على إتفاق أفضل والخوف من استغلال التوقيع على اتفاق كهذا في الانتخابات المقبلة في نوفمبر المقبل انتخابات التجديد النصف للكونغرس سوف يستغلها الجمهوريون ويقولوا أن الديمقراطيين ضعفاء وعجزوا لتوصل لاتفاق أفضل مع إيران.


موقف إسرائيل:
بالحديث عن البرنامج النووي، نحن لا نتحدث عن مباني يجب أن يتم نسفها او تدميرها نحن نتحدث عن قدرات ومهارات وعلوم وخبرات أصبحت مستقرة في عقول الآلاف من العلماء والفنيين الإيرانيين..
فلا تستطيع جهة ما أن تقتل جميع علماء إيران وأن تصفي كل القدرات النووية الإيرانية المنتشرة على طول مسافة ضخمة جدا لا تستطيع فعل كل هذا في عملية عسكرية محدودة دون فتح حرب كاملة مع إيران ففي النتيجة العقبات كثيرة إذا الاتفاق نظريا ومن وجهة نظر العرب هو أفضل حل ليضع حد لطموحات النووية الإيرانية، لماذا تعارض إسرائيل تطوير هذا الاتفاق؟!


عدة تفسيرات يمكن طرحها :
البرنامج الصاروخي هو المنعطف:
تجاوز الزمن المشكلة النووية والمشكلة الآن بالنسبة لإسرائيل ودول الخليج لم تعد امتلاك إيران لسلاح نووي ومن الطبيعي أن إسرائيل ودول الخليج العربي لا تريد أبداً أن تمتلك إيران قدرات نووية عسكرية ولكن ما يقلق إسرائيل ودول الخليج هو امتلاك إيران لقدرات صاروخية متطورة لأن إيران لو امتلكت سلاح نووي فهو سلاح لن تستخدمه لأنها ليست نظاما انتحاريا ويدرك أنه في نهاية المطاف إذا استخدم هذا السلاح فسوف تكون هذه نهاية إيران، في حين أن السلاح الصاروخي عالي الدقة هو مايقلق إسرائيل ودول المنطقة الذي يمكن لإيران أن تستخدمه بسهولة واستخدمته بالفعل ضد السعودية وضد الإمارات وتمد به ميليشيات تابعة لها في سورية والعراق ولبنان واليمن .
اسرائيل بدأت بالحديث عن الخطر الصاروخي الإيراني والطائرات المسيرة فقط بعد أن اطمأنوا أن المجتمع الدولي على رأي واحد عازمين بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي فبدأ الحديث عقبها عن أخطار أخرى القدرات الصاروخية والنفوذ الهائل لإيران على بعض الميليشيات المسلحة في دول المنطقة.


استمرار عزلة طهران:
التفسير الثاني المحتمل، يكمن في رؤية بعض النخب الإسرائيلية التي تعتقد أن عدم التوصل لإتفاق هو خيار أقل سوءًا لأنه سوف يبقي على إيران معزولة ومضغوطة قد تنهار من الداخل ثم إن المجتمع الدولي سوف يكون معها في مراقبة ما يجري في إيران وعازمين على إضعاف إيران.
مناورة وتكتيك:
التفسير الثالث الذي يواجهنا، وجود نخب اسرائيلية مقتنعة أن التوقيع على الإتفاق أفضل حل ويرحبون بتوقيع الإتفاق أو العودة إليه ولكنهم في كل الأحوال سوف يعلنون معارضتهم للاتفاق.. لأن هذا يضغط على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للحصول على أكبر تنازلات ممكنة من إيران.
كما أن الضغط والرفض العلني، يحررهم من الإلتزام بأي اتفاق تتوصل له أمريكيا أو المجتمع الدولي وبالتالي يحتفظوا لأنفسهم بحق ممارسة عمليات تخريبية أو حتى عمل عسكري إن لاحت لهم فرصة في المستقبل ضد إيران ثم إن الرفض سيكون ابتزاز لصانع القرار في أمريكا وهذا الابتزاز سوف تحصل بمقابلة اسرائيل على مزيد من المساعدات مزيد من الأسلحة مزيد من التنازلات.

من صاحب القرار؟
يبقى سؤالين مهمين في سيرورة الحدث، هل يمكن توقيع الاتفاق رغم المعارضة العلنية الإسرائيلية؟ وهل يمكن للضغوط الاسرائيلية أن تنجح في إجبار الولايات المتحدة على إفشال الاتفاق؟
يمكن رغم الضغوط الاسرائيلية أن توقع أمريكا على الاتفاق – وإن كان احتمال ضعيفا – لأنه في النهاية قناعة جانب من الإسرائيليين أن بالإتفاق هو أفضل احتمال ممكن لكن مع ذلك أحيانا لا يتحكم المنطق وتسود الاعتبارات الانتخابية والآراء اليمينية المتطرفة التي قد تنتصر داخل الرأي العام الاسرائيلي وبالتالي تجبر الادارة الامريكية على اتخاذ قرار من شأنه أن يضر بأمريكا ويضر بأسرائيل ويضر بكامل المنطقة وسبق أن اسرائيل أجبرت أمريكا على إتخاذ قرارات في منطقة الشرق الأوسط ضد مصالح الولايات المتحدة.