بقلم لجين المليحان

تدخل الحرب الأوكرانية الروسية شهرها السابع ولم تظهر عليها علامات الحسم أو الانتهاء ما جعل الكثيرون يتسائلون، هل ستكون هذه الحرب طويلة الأمد؟! يتضح بمراقبة بسيطة أن الحرب دخلت مرحلة حرجة وتحتمل أكثر من سيناريو لنهايتها.. إلا أن المؤشرات توحي بأنها حرب طويلة الأمد وحرب استنزاف والجميع تضرر منها، ولعل هذا ما يفسر التحذيرات من إطالة أمدها والتطورات الميدانية تعززها.

علامات طول مدة الحرب:

تكثر العلامات التي تشير أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا طويلة الأمد والعلامة جاءت من البيت الأبيض الذي كشف لصحيفة وول ستريت جورنال في 24 أغسطس الماضي أنه بصدد البحث عن اسم للعملية العسكرية الأمريكية في أوكرانيا، ما يعني أن واشنطن لا تفكر جديا بإنهاء الحرب بل يدرسون احتمالات مواجهة طويلة مع روسيا على الأراضي الأوكرانية.
ومن التقاليد العسكرية المتبعة في كثير من بلدان العالم أن الدول تعطي اسماً لعملية عسكرية أو لحرب تخوضها والإسم يكون له دلالة ويترتب على اختيار الأسم وجود قائد يدير هذه العملية، والأمريكان أعلنوا في ذات اليوم اختيار جنرال أمريكي ليقود الجهود الأمريكية لاستنزاف روسيا على أرض أوكرانيا، كما لابد للعملية العسكرية من مخصصات،
وتم الإعلان عن تخصيص 3 مليار دولار إضافية سوف تقدم بشكل معدات عسكرية حديثة لن تخرج من المخازن الأمريكية كما حدث خلال 6 أشهر الماضية ولكن سوف يتم التعاقد مع شركات أسلحة أمريكية لتصنيعها واعطائها للجيش الأوكراني، وهذا التصنيع يحتاج لوقت وجهد، في حين ذكر الأمريكان أن هذه الأسلحة سوف تستغرق 3 سنوات وستسلم للجيش الأوكراني على مدار هذه السنوات الثلاث وهذه علامة ثانية على أن أمريكا تفكر بعملية عسكرية طويلة الأمد.

مؤشرات تؤكد أننا أمام حرب طويلة وحرب استنزاف لا تقتصر على الجانب الأمريكي والغربي ولكن أيضًا على الجانب الروسي ففي اليوم التالي مباشرة (25أغسطس الماضي) أعلن الكرملين عن زيادة عدد القوات المسلحة الروسية بحوالي 137ألف جندي هذا يشير أيضا أن الروس يفكرون بمواجهة طويلة ومفتوحة مع الغرب.

العلامة الثالثة هي إجهاض أي محاولة للتفاوض ووقف إطلاق النار وأبرز مثال ماتم في أبريل الماضي وفقا لمصادر أمريكية وأوكرانية وروسية، كانت هناك محاولة لوقف إطلاق النار وجلوس الطرفين على طاولة التفاوض وكان جوهر المفاوضات سوف يتم على أساس يتوقف القتال مؤقتا وتعود روسيا إلى حدود ماقبل 24 فبراير 2022، وتتعهد اوكرانيا بعدم الانضمام لحلف الناتو وتسمح روسيا للاوكرانيين بالحصول على ضمانات من دول أخرى يوافق الطرفين عليها.

العلامة الرابعة أنه كلما طالت الحرب كلما زادت المطالب من الطرفين وارتفع سقف التوقعات وبالتالي يصعب أبدا البحث عن انهاء الحرب، من الجانب الروسي على سبيل المثال المطالب ارتفعت كثيرا فبدأت روسيا بمطلبين أساسيين الأول هو تعهدات اوكرانيا وتعهدات الغرب بعدم انضمام اوكرانيا لحلف الناتو والثاني هو الحفاظ على سلامة الاوكرانيين الروس الذين يتكلمون اللغة الروسية في شرق اوكرانيا، ولم يقف طموح الروس جغرافيا عند الدونباس بل طال حديثهم عن خيرسون وزباروجيا وعدد من المناطق الأخرى، وحاول الروس إجراء استفتاء في مناطق شرق اوكرانيا بهدف إعلان مواطني هذه المناطق انضمامهم لروسيا كما فعلوا في شبه جزيرة القرم 2014 وبالتالي يتم وضع يد روسيا عليها ويصبح الدفاع عنها مسألة حياة او موت بالنسبة لروسيا، ومن البديهي أن خيرسون مهمة لروس بسبب توفر الماء لشبه جزيرة القرم ومنطقة زاباروجيا مهمة أيضا لروسيا بسبب أن أكبر محطة نووية موجودة فيها وبالتالي قادرة على توفير الطاقة لشرق أوكرانيا ولشبه جزيرة القرم.

أمريكا بدورها غيرت أهدافها ففي بداية دعمهم لأوكرانيا الهدف المعلن هو منع روسيا من تحقيق انتصار سريع على أوكرانيا واجبارهم على التفاوض للحصول على نتائج غير مجحفة لأوكرانيا لكن تغيرت أهداف الغرب بعد عدة أيام ادركوا حينها أن روسيا ليست بتلك القوة التي تخيلوها وأنهم عجزوا عن السيطرة على كييف في عدة أيام بالتالي بدأت أهدافهم ترتفع شيئا فشيئا والأهداف هذه بدأت من صد الهجوم الروسي إلى محاولة استعادة شرق أوكرانيا حتى الأراضي التي كانت روسيا تسيطر عليها.

الهدف الأمريكي المعلن لم يعد هو صد الهجوم الروسي لكن هو إضعاف روسيا بحيث لا تجرى على تكرار ما فعلته في اوكرانيا في أي دولة أخرى.

أما العلامة الخامسة عجز كل الأطراف المشتركة بهذه الحرب عن وقفها حتى لو أرادوا لأسباب كثيرة، وذلك قالوه دارسي تاريخ الحروب “ما أن تبدأ الحرب يصعب جدا السيطرة على مسارها” وليس لذلك علاقة بظاهرة الحرب وإنما له علاقة بالسلوك الإنساني هناك ظاهرة أن أي إنسان يميل لإستكمال أي مسعى بدأ به حتى وإن كانت التكلفة باهظة سيستمر به، فإن طبقناها على حرب أوكرانيا تجد القادة والشعوب إنها استثمرت وقت وجهد ومال وخسرت ارواح ودمرت مدن تبقى راغبة باستكمال ما بدأته حتى وأن بات واضحا لها أن المضي في هذا الطريق ليس مربحا لها.

صعوبة إيقاف الحرب:

لماذا لا يتوقفون؟! لأسباب عديدة فلا يوجد قائد سياسي وعسكري يكون حريص على إنهاء حرب هو بدأها لأن إنهائها بدون تحقيق النتائج الإيجابية اعتراف بالفشل وبسوء تقديراته مما يضعه بزاوية الانتحار السياسي، بالإضافة إلى أن أي حرب عندما تراقبها تجد سرعان ما تدخل أطراف كثيرة بهذه الحرب لدعم كل طرف لأهداف ومآرب مختلفة.. ففي أوكرانيا جميع الغرب وحلفائها يدعمون أوكرانيا فعندما تتعدد الأطراف يصبح صعب جدا إقناع كل هذه الأطراف بضرورة وقف الحرب كما حدث في9 ابريل كان حينها الاوكران راغبين بالتفاوض ولكن كانت لبريطانيا وأمريكا حسابات أخرى.

الحرب دائما لها منطقها الخاص عندما تبدأ الحرب تجدها تأخذ مسارها بدون إرادة القائمين عليها، تبدأ الحرب ويوجد خسائر ضخمة في البنية التحتية والاقتصادية والبشرية وهذه الخسائر تولد كراهية وشعور بالقهر والرغبة في الانتقام وأفضل وسيلة للانتقام في هذه الحالة تحقيق نصر كبير على العدو ،بينما آليات الحرب حين توجد مؤشرات الهزيمة تجعل الطرف المهزوم يضاعف جهوده أملا في الهروب منها، أما النصر يجعله يضاعف جهوده أملا في تحقيق انتصار سريع.
وأي حرب تتطلب رفع الروح المعنوية للجيش الذي يحارب وللشعب الذي يقف وراء الجيش ويدعمه ويتطلب التركيز على الأخبار المشجعة والانتصارات وتجاهل الحديث عن الخسائر والهزائم ، وكما قال ديفيد لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الأولى”لو كان الشعب يعلم بحقيقة الأوضاع على الجبهة لتوقفت الحرب في اليوم التالي”.

الخطورة في الحرب الاوكرانية الروسية ليس أننا أمام حرب قد تطول كثيرًا ولكن قد تتسع هذه الحرب وتصبح أكثر خطورة وتتجاوز جغرافياً الحدود الأوكرانية لأن الخطوط الحُمر لهذه الحرب يتم تجاوزها من جميع الأطراف.