بقلم د. كندة وزان

فرانس بالعربي

جاء قطع شركة غازبروم الروسية إمدادات الغاز عن دول الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة 2 سبتمبر 2022 كما كان متوقعا منذ بدء الأزمة بين روسيا و دول الإتحاد الأوروبي على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا منذ نحو 6 أشهر. أتى هذا القطع ليزيد من أزمة الطاقة التي عرفت باسم “صدمة الغاز” التي كانت تعاني منها أوروبا أصلا منذ أكتوبر 2021 مع عودة النشاط الإقتصادي عقب الأزمة الصحية التي سببتها جائحة كوفيد-19. و لكن الحرب الروسية-الأوكرانية أدت إلى اشتداد حدة هذه الأزمة التي قد تستمر نحو 5 سنوات طالما استمرت الأزمة في روسيا، بحسب خبير الطاقة في المجلس الاستراتيجي كولومبوس كونسلين، نيكولا غولدبيرغ. و إن كان هذا القطع قد تم بحجة عمليات صيانة إلى أجل غير مسمى، إلا أن التلويح باستخدام روسيا للغاز كسلاح في مواجهة الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا و العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها كان جلياً قولاً و فعلاً منذ بدء الأزمة بينهما، و قد تجلى في البداية بقطعه عن دول غير مؤثرة مثل بلغاريا و بولونيا، و تخفيضه على الدول الصناعية الأكثر فاعلية مثل ألمانيا و فرنسا و إيطاليا و هولندا.  منذ ذلك الحين، أخذت الأزمة معنى “حرب الطاقة” كما وصفها رئيس المفوضية الأوروبية الذي كان قد دعا إلى خفض استهلاك الغاز 15% في دول الاتحاد الأوروبي EU لمواجهة قطع إمدادات الغاز الروسي.

و هكذا أخذت هذه الدول بالبحث عن حلول لتعويض النقص في إمدادات الغاز الروسي الذي يصل إلى 48.4% من كمية الغاز المستورد على المستوى الأوروبي، و يتفاوت في من دولة إلى أخرى، و الذي أدى نقصه إلى ارتفاع كبير بأسعار الغاز و الكهرباء، و الإنتاج الاقتصادي. بهذا الصدد، توجهت تلك الدول إلى دول منتجة و مصدرة للغاز مثل الجزائر و قطر و أذربيجان و النرويج و الولايات المتحدة، و قاموا بالعودة إلى حقول الفحم الحجري، و إعداد خطط لترشيد استهلاك الطاقة، الهدف من ذلك تعبئة مخزونهم من الغاز لمواجهة فصل الشتاء البارد.

من بين دول الإتحاد الأوروبي، تبدو فرنسا الأقل تأثر بقطع الغاز الروسي، و ذلك لأنها تعتمد عليه بنسبة  20% فقط، بينما 80% المتبقبة، يأتي من دول متنوعة مثل النرويج و نيجيريا و الجزائر و قطر و الولايات المتحدة. و الأهم أن مصادر الطاقة و أهمها الكهرباء، تأتي من مزيج من الطاقة من مصادر مختلفة. فإنتاج الكهرباء لا يعتمد كثيرا على الغاز إلا بنسبة 9%، بينما تؤمن محطات الطاقة النووية نحو 70%، و تؤمّن المصادر المتجددة 12%، و 9% من المصادر الأحفورية. و بالرغم من ذلك، بدا القلق على الحكومة الفرنسية من قطع الغاز الروسي و بدأت باتخاذ إجراءات عديدة تهدف إلى التصدي لخطر نقص الغاز و الحفاظ على ما سمته “سيادة الطاقة” دون الاعتماد على الخارج، محاولة تعويض النقص محلياً بشد حزام الطاقة عبر ما سمته “خطة ترشيد الطاقة”. تهدف هذه الخطة إلى تخفيض استهلاك الطاقة بنسبة 10% للعامين القادمين.

و هكذا، تردد اليوم رئيسة الوزراء الفرنسية إليزابيت بورن في إطار حملتها لحث الحكومة و المجتمع على “خطة ترشيد الطاقة” المزمع تحضيرها خلال شهر سبتمبر بعبارة “اختيار و تفضيل الاقتصاد الطوعي على القطع و التقنين القسري”، مختصرة طريقة الإجراءات التي ستتخذ لتلافي نقص الغاز. و تعرّف عادة “خطة ترشيد الطاقة” بأنها: عملية تهدف إلى تخفيض استهلاك الطاقة عبر تغيير السلوك و طريقة العيش، و هذا لا يعني الحرمان. و هنا يجب الإشارة إلى أن ترشيد الطاقة يختلف عن نجاعة الطاقة التي تتطلب تكنولوجيا تسمح بخفض الاستهلاك على مستوى مادة أو نظام (سيارة اقل استهلاك للفيول، مثلا). باختصار هي أفعال فردية أو جماعية تهدف إلى التقليل من استهلاك الطاقة الأحفورية، مثلا التنقل بالدراجة الهوائية بدل التنقل بالسيارة. و بذلك، فإن المجتمع الذي يتبنى مفهوم ترشيد الطاقة يقوم بتعديل مفاهيمه و عاداته الاجتماعية و الفردية و تصوراته الجماعية لصالح تخفيض طوعي و منظم لاستهلاك الطاقة و يساهم بتحسين عام لنوعية حياة السكان. و يأتي وضع هذه الخطة و تبنيها عادة نتيجة ظهور معوقات طاقية دائمة، كما في حال نضوب مصادر الطاقة، أو معوقات مؤقتة، كما في حال وجود خطأ في مركز الطاقة. و قد يكون أيضا من اجل حماية البيئة و دعم الاقتصاد. 

لماذا تتجه فرنسا إلى هذه الخطة، و ما هي؟ و كيف تسعى لتحقيقها؟

نقص الغاز يرفع أسعار الكهرباء و يهدد بتقنينها في ظل غياب النووي:

منذ بدء الحرب في أوكرانيا، أخذت أسعار الكهرباء و الغاز تشتعل في الأسواق الأوروبية. في فرنسا 26 آب أغسطس فقد بلغ سعر الميغاواط الساعية mwh 1000 يورو مقابل 50 ديسمبر 2021، و لحسن الحظ، فإن أسعار الكهرباء المنزلية تم احتواؤها بفضل “درع التعرفة” التي وضعتها الدولة في آذار مارس حتى نهاية 2022. و لكن السؤال المطروح، لماذا ترتفع أسعار الكهرباء في فرنسا و هي تستخدم القليل من الغاز لإنتاج الكهرباء (فقط 9%) بينما تنتج مصادر الطاقة الأخرى الباقي؟

في الواقع، هناك سببين، الأول هو أن الكهرباء يتم سمسرتها و شراؤها من قبل المزودين المنتجين قبل أن يتم بيعها. و هذا يعني أن الإرتفاع الجنوني بسعر الغاز، الذي يعد أساسيا لإنتاج الكهرباء، و الذي وصل إلى 1500% بحسب توماس بيلليريس كارلانن مدير مركز الطاقة بمعهد جاك دالوس، سيرفع من سعر الموليكول الذي يستخدم لإنتاج الكيلوواط في المحطات الكهربائية.  و هناك سبب آخر يخص فرنسا تحديدا، و هو انخفاض الإنتاج النووي، الناجم عن التوقف المؤقت ل 32 مولد نووي من أصل 56 تابعة لشركة كهرباء فرنسا EDF، الذي يجبر على استيراد كميات كبيرة من الكهرباء من الخارج، و التي يتم انتاجها بالاعتماد على الغاز. فسعر الجملة من الكهرباء كان حوالي 750 يورو للميغاوات الساعي بداية شهر آب أغسطس، اليوم ارتفع بشكل كبير بعد إعلانEDF  في 25 من آب أغسطس، إطالة توقيف 4 محطات نووية، تعرض فيها نظام الحماية لمشكلة التآكل. فهذا التوقف له نتائج على إنتاج الكهرباء و يجبر فرنسا على استيراد الكهرباء، و الذي يأتي من محطات حرارية أجنبية تعمل على الغاز، و الذي بدوره يشهد نقص و ارتفاع أسعار. و يبدو الحل باستيراد الغاز الطبيعي المسال القادم من شرق الولايات المتحدة، و هي المستفيد من الأزمة، يبدو غير مجديا لأنه أغلى ثمنا و أكثر تلويثا للبيئة.

أزمة طاقة ليست جديدة في أوروبا:

بعد 50 عام من أزمة الطاقة النفطية المعروفة باسم “الصدمة النفطية” التي عاشتها أوروبا في عشرية السنوات 1970، تعود اليوم أزمة طاقة سببها هذه المرة الغاز و ليس النفط. ففي بداية السبعينيات، شهدت الدول الصناعية ما يسمى صدمة نفطية أعقبت 30 سنة من الازدهار و النمو الاقتصادي السريع، و كان هذا النمو مرتبطاً بالنفط القادم في ثلثيه من دول الخليج. هكذا أصبح الذهب الأسود أداة حرب مع اندلاع حرب أكتوبر بين العرب و إسرائيل. مع قيام العرب بقطعه، ارتفع سعره 4 مرات في بضعة أسابيع، من 4 دولار للبرميل إلى 16، ما تسبب بوقف العجلة الصناعية و الاقتصادية في الدول و ازدادت معدلات البطالة. و لكن فرنسا، ذلك البلد الذي “لا يمتلك نفط و لكن أفكار”، و غيرها من دول، بدأت تبحث عن مصادر جديدة محلية للطاقة، لا تكون خاضعة فيها لغيرها من الدول، فاتجهت نحو تطوير المفاعلات النووية. و قد تم الإشارة إلى تلك التجربة السيئة من قبل السياسيين و الباحثين و ذلك منذ بدء الحرب و التهديدات بالقطع “هذه الأزمة الحالية مشابهة بحدتها و قسوتها و يمكن مقارنتها ب”الصدمة النفطية”، بحسب برونو لومير وزير الاقتصاد و المالية الفرنسي 09/03/2022. في تلك الأزمة النفطية، تم اخذ إجراءات: من اجل “القضاء على الهدر”، كما وصفها في ذلك الوقت الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو منها: تخفيض سرعة المركبات على الطرقات، خفض التدفئة إلى 22 درجة مئوية، إطفاء أضواء واجهات المحلات ليلاً.

 التحضير لخطة ترشيد الطاقة: تحرك عام  نحو استهلاك أقل بنحو 10%

في فرنسا بالرغم من تعبئة 90% من مخزون الطاقة، فقد تم الإعلان عن فكرة هذه الخطة “ترشيد الطاقة” التي تهدف لتعويض 10% المتبقية. و قد جاء إعلان خطة الترشيد نهاية شهر حزيران يونيو الفائت من قبل رئيسة الوزراء اليزابيث بورن و وزيرة التحول الطاقة اغنييس بانييه روناشير، و تأكدت عبر رئيس الجمهورية ايمانويل ماكرون في لقائه المتلفز في 14 من تموز: “يجب أن ندخل بشكل جماعي في منطق الترشيد (…)، يجب أن نحضر خطة لنضع أنفسنا في وضع استهلاك اقل”. و هكذا فإن فكرة الترشيد التي كانت في المرتبة الثانية من أولويات جهاز التنفيذ من قبل المروجين للحد من التغير المناخي أصبحت الكلمة الأولى و الهادفة إلى تخفيض 10% من استهلاك الطاقة مقارنة بتلك المستهلكة في العام 2019، و هو آخر عام للاستهلاك الطبيعي للطاقة ما قبل فترة وباء كوفيد 19، و ليس 15% كما طلب الاتحاد الأوروبي. و من اجل التوصل إلى ذلك، فقد تم إطلاق ما يسمى مجموعات العمل لعدة قطاعات اقتصادية مثل (السكن، البلديات، الديجيتال، الرياضة) من قبل الحكومة، كل مجموعة منوط بها إعطاء خطة عمل نهاية سبتمبر-بداية أكتوبر، استعدادا لتوفير الطاقة لفصل الشتاء.

و هكذا، فإن مجموعات العمل تشكل فريقا يعمل تحت إدارة عدة وزارات. هذا الفريق يجب أن يحدد إجراءات تخفيض الاستهلاك في الإدارات و المؤسسات و الجمعيات العامة، و السكن. كان هناك نصف دزينة من مجموعة عمل أطلقت من قبل وزيرة تحول الطاقة اغنييس بانييه رناشير مع بعض زملائها في الحكومة. الخطة من أجل قضاء فصل الشتاء، تقوم على فهم و تحديد عند الفاعلين بكل قطاع عمل لأدوات و الوسائل التي تسمح بتحقيق من الآن إلى عامين 10% من استهلاك الطاقة مقارنة مع تلك المسجلة عام 2019. هذه الإعمال يجب أن تصل في مجرى شهر أيلول إلى تقديم “خطة ترشيد” واسعة و شاملة، و هي مدارة من قبل كل من وزارة العمل، و التجارة، و السكن و التي تشكل قطاعات مفترسة للطاقة بنحو 45% من الاستهلاك المحلي. في البداية تظهر بعض الإجراءات السريعة و بديهية الأولوية، مقدمة من قبل المجموعة، من ايكوجست “لفتة بيئية”، منها: ضبط درجات الحرارة في الشوفاج إلى 19 دْ، و 26 للمكيفات في المباني الإدارية و المدارس بمختلف مستوياتها. و بحسب وزيرة تحول الطاقة، فإن خفض درجات الحرارة لدرجة واحدة تشكل خفضاً بمتوسط 7% من استهلاك الغاز.

في خطابها يوم الاثنين الماضي، في الجامعة الصيفية أمام أرباب العمل  MEDEF” ميديف”، حثت رئيسة الوزراء الشركات لرفع جهودها فيما يخص تخفيض استهلاك الطاقة، و أعمال أولية لتخطيط بيئي لقطاع الماء، و الغابات، و الطاقة منزوعي الكربون سيتم إطلاقها. أعلنت الوزيرة أن إجراءات تقنين ستكون مفروضة هذا الشتاء على الشركات إذا لم تزدد جهودهم و لم تكن كافية في مواجهة الضغوطات الكبيرة على النظام الطاقي في الدولة لذلك دعت إلى “الإقتصاد الطوعي بدل التقنين القسري”. و دعت من أجل ذلك إلى الحراك العام “إذا تحركنا جميعا يمكن تجاوز خطر النقص، و إذا لم يقم كل واحد بواجبه، و وقعت كل الفرضيات غير المرغوبة، سنضطر إلى تخفيض الاستهلاك، و ستكون الشركات أول من يفرض عليها التقنين (..). في مواجهة تهديد النقص هذا الشتاء، ليس لدينا سوى طريق واحد: خفض استهلاك الطاقة التي يجب أن تكون منظمة من اجل تفادي قطع قاسي للغاز، كل الناس معنية: الأسرة- حملة للتعريف حول “ايكوجست” ستطلق- و الإدارات. و لكن هذا سيعني الشركات، التي بدأت سابقا بأخذ الإجراءات، و دعت كل مؤسسة لوضع خطتها الخاصة للترشيد نهاية سبتمبر، إلى حين تنظر الدولة نهاية سبتمبر غلى العوائق و الإمكانيات. بدوره رئيس أرباب العمل أكد بأن الشركات ستقوم بدورها لتحقيق الهدف من الترشيد، و قد حمل العالم السياسي مسؤوليته : “هي مسؤولية كل أولئك الذين دفعوا بنا منذ 30 سنة إلى التخلي عن بعض الطاقة أو الاستثمار فيها”، ربما كان يشير إليها و قد أغلقت محطة فينينهايم النووية عام 2018.

و هكذا من جديد، أظهرت أزمة الطاقة المرتبطة دائماً بعدم الاستقرار السياسي و زعزعة السلام الدولي مدى خضوع الدول المستهلكة في اقتصادها و رفاهيتها للدول المنتجة، و مدى كفاءة الدول المستهلكة في التعامل مع الأزمة داخليا و تجاوزها. فالعودة في فرنسا إلى مبدأ “السيادة على الطاقة” عبر الطاقة النووية الرخيصة و محلية الإنتاج مع الانتهاء من صيانة مفاعلات التوليد المتوقفة، و ترشيد الاستهلاك يبدو مقبولاً و ممكناً لتجاوز الأزمة، بالتزامن مع وصول إمدادات خارجية من الغاز المسال من دول متعددة. و لكن يبقى هناك سؤال يطرح نفسه، أين نصيب الدول التي دخلت في العقود الأخيرة في حروب تدار بهدف “الاستيلاء على موارد الطاقة” من نفط و غاز؟ أين حصة فرنسا من نفط و غاز ليبيا؟