د. كندة وزَّان

منذ بداية العام 2022، ما تزال فرنسا تسجل كما غيرها من الدول الأوروبية معدلات تضخم شهرية متتالية، لم تشهدها منذ أكثر من 40 عاماً. بالرغم من ذلك، فقد كانت و ما تزال معدلاتها هي الأدنى بين تلك الدول: 6% مقابل 8% في ألمانيا، و 11% في كل من بريطانيا و اسبانيا. تعود معدلات التضخم إلى عوامل خارجية أهمها استراتيجية “صفر كوفيد” في الصين من جهة، و الحرب الروسية في أوكرانيا التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة و النقل و المنتجات الغذائية الحيوانية و النباتية المرتبطة بالغاز و القمح و الزيت، من جهة أخرى.
في 15 أيلول (سبتمبر) الحالي، أعلن المعهد الوطني للإحصاء و الدراسات الاقتصادية(Insee) استمرار ارتفاع نسبة التضخم حيث ارتفع نهاية شهر آب إلى 5.9% بزيادة نقطة واحدة عما كانت عليه في نهاية شهر تموز (جويليه) 5.8%، و 5.4% في حزيران. و من المقدُر أن تصل إلى 7% في أيلول (سبتمبر). يبدو التضخم هكذا مرتفعاً خاصة إذا علمنا أنه منتصف العام السابق 2021 حزيران (جوان) كان بنسبة 1.2% فقط. و لكن يمكن وصف ارتفاع التضخم لشهر آب بالارتفاع البطيء مقابل الارتفاع السريع لأسعار الاستهلاك و الغذاء. فقد بلغ هذا الارتفاع في آب 22.7% مقابل 28.5% في تموز (جويليه)، بينما كان ارتفاع أسعار استهلاك الغذاء أعلى لنفس الفترة (7.9% مقابل 6.8%). هذه “الفرملة” للتضخم كانت نتيجة تباطؤ أسعار الطاقة التي بلغت خلال عام نحو 22.2% مقابل 28.5% في شهر تموز. يأتي هذا التضخم الذي يقدر بنحو 6% بعيداً عن الهدف 2% الذي حدده البنك المركزي الفرنسي بعد تدخله بداية أزمة الطاقة لتثبيت و استقرار الأسعار، و بعيداً عما تبنته الدولة كنسبة مئوية لرفع أجور العاملين في الدولة في شهر حزيران بنسبة 4%، معتمدة فقط على ارتفاع أسعار الطاقة. و لكن رغم هذا الارتفاع في التضخم، يبقى “للدرع الطاقي” دوراً مهما في احتوائه هذا العام 2022 كما وضح وزير الاقتصاد برونو لومير:” بفضل الدرع الطاقي الذي جمّد ارتفاع أسعار الغاز منذ الخريف الماضي و حدّه إلى 4% هذا العام ،ما حدّ من ارتفاع أسعار الكهرباء، فإن التضخم في فرنسا هو أضعف مما عليه في بقية دول اليورو”. و قد وضّح أيضاً أن العام التالي 2023 لن يكون كذلك: “الانسحاب المتتالي لجهاز الدعم عن خصم الوقود، و ارتفاع أسعار الغاز و الكهرباء بنسبة 15% بدءً من 1 يناير سيترجم عبر تضخم مرتفع. لذلك يجب ألا ننتظر تحسن على جبهة التضخم قبل نهاية 2023″ و أضاف: ” إن أسعار الطاقة سوف ترتفع بالنسبة للمستهلكين و لكن بطريقة محتواة”. و لعل ضحية التضخم تقع دائما على الشركات و الأفراد. فالتضخم له نتائج سلبية على الشركات لأن ارتفاع أسعار الطاقة يرفع من نفقات و تكلفة الإنتاج، و يؤثر على معدل سعر الفائدة. و يؤثر التضخم على انخفاض القدرة الشرائية للأسر و استهلاكهم للمنتجات الغذائية، حيث أن الرواتب لا تتبع ارتفاع الأسعار المتتالي شهراً بعد شهر. فقد أظهر IPC (مؤشر أسعار الاستهلاك) في الربع الأول من عام 2022 معدل 1.3%، في حين ارتفع إلى 5.8% في الربع الثالث من العام. و بالرغم من وجود نسبة 75% من الفرنسيين الذين أجابوا أنهم مستعدون أن يدفعوا أكثر في حال ارتفعت الأسعار، فهناك نسبة 25% من المستهلكين، غير مستعدة للدفع، و هي نسبة لا يستهان بها.
فيما يخص الأعوام القادمة، يرسم خبراء الاقتصاد في مراكز البحوث و البنك المركزي و المعهد الوطني للإحصاء سيناريوهات تطور هذا التضخم لكلّ من عامي 2023 و 2024، الأخير الذي سيشهد عودة النمو. بالنسبة لعام 2023، أشار الإقتصادي ميشيل مارتينيز بأنه مع نهاية “الدرع التعرفي للطاقة”، سيكون التضخم في فرنسا أدنى من التضخم الأوروبي و لكن بدل أن يكون أقل بثلاث نقاط فإن الفارق سيكون بنقطة واحدة”. أما الاقتصادية شارلوت دو مونبلييه فقد أشارت بأنها ” ترى أن مؤشر الأسعار سيكون في فرنسا أعلى في العام القادم (2023) من بقية الدول المجاورة لأن هؤلاء سيستفيدون من قاعدة مقارنة لمعدلات السنة الماضية الأكثر حدة”. و أضافت: “و مهما يكن، فإن التطور المستقبلي للتضخم في فرنسا و بقية الدول الأوروبية، يخضع كثيرا لأسعار الطاقة و كذلك للظروف الاقتصادية بالمجمل. زيادة أسعار الغاز يمكن أن تدفع إلى ارتفاع نفقات الشركات و هو ما يمكن أن يغذي التضخم، و لكن بسبب الطلب الضعيف، فإن الشركات يمكن أن تكون اقل و أقل قدرة على استعادة ارتفاع النفقات على الأسعار”.
أما بحسب السيناريو الذي رسمه بنك دو فرانس في أيلول 2022، فإن الاقتصاد الفرنسي يمر بسبب أزمة الطاقة بثلاث مراحل على 3 سنوات. سمي عام 2022 بأنه عام “الصمود” يرجع فيها الفضل لقفزة القطاع الخدمي، و لكن بسبب الصدمة الإضافية للغاز الطبيعي على الأسعار العالمية التي أتت في شهر آب مع قطع إمدادات الغاز الروسي نحو أوروبا، فإن الأنشطة الاقتصادية ستكبح بدء من الربع الأخير من السنة.

بالنسبة لعام 2023، يمكن تسميته بعام “الشك” لأن التقديرت ستكون محاطة بشك كبير لارتباطه بتطورات الحرب الروسية في أوكرانيا. فهناك مخاطر على كميات و أسعار التزويد بالغاز و أيضا مدى و مدة الإجراءات الحكومية المتخذة لحماية الأسر و الشركات. تم وضع سيناريوهات للوضع الاقتصادي منها أن نمو PIB (الناتج المحلي الخام) سيتراوح بين 0.8% و 0.5%- مع معدلات تضخم تتراوح بين 4.2% و 6.9% على التوالي. و تلك تم حسابها بحسب التقليد المعهود، حيث أسعار الطاقة (غاز و بترول) تتزايد حسب أسعار السوق، و تعويض قطع الغاز الروسي من مصادر و طرق أخرى. أسعار الكهرباء سترتفع و لكن أسعار الغاز ستثبت تدريجياً حتى تلحق أسعار السوق منتصف عام 2024. و هذا بدوره سيقود إلى ارتفاع الناتج المحلي الخام إلى 0.5% و انخفاض معدل تضخم لمؤشر أسعار الاستهلاك ليصل إلى 4.7% و قدرة شرائية محمية للمواطن.
أما عام 2024، فهو عام النمو و الرخاء مع ارتخاء متزايد و متدرج في أسواق الطاقة، لذلك فإن الناتج المحلي الخام سيرتفع عن 0.8% و سيقل التضخم ليعود نهاية 2024 إلى الهدف 2% بمتوسط سنوي (2.7%).
و هكذا، تظهر من جديد على الساحة الدولية و المحلية المتلازمة أزمة الطاقة – أزمة الاقتصاد، و لكن بفضل سيادتها على مصادر مهمة من الطاقة المحلية و حسن إدارتها، و احتمال تحسن الظروف السياسية الدولية، فإن فرنسا تحافظ على مستويات تضخم منخفضة نسبياً، مع تراجع ضئيل في ناتجها المحلي، الذي سيرتفع مع انخفاض التضخم خلال أقل من عامين.