مقالات رأي

للسوريين أيضا تغريبتهم



بقلم نشمي عربي – كاتب سوري أميركي

جاءت زيارة وفد حماس للنظام في وقت وصل فيه التخلي العربي والعالمي عن مأساة السوريين لحدود غير مسبوقة.
وكأنه لم يكن ليكفي السوريين حجم التخلي العربي والدولي المرعب عن مأساتهم التي طالت لتتجاوز أكثر السيناريوهات تشاؤماً، لتأتي زيارة حماس لتزيد في عمق الجرح الغائر في الوجدان السوري، ولا أرى له اندمالاً على المدى المنظور.
مايزيد في ألم خنجر حماس المسموم في الضمير السوري هو أنها قدمت نفسها كحركة مقاومة تسعى للحرية من أجل شعبها، لا أدري كيف يستقيم ذلك في علاقتها بأنظمة شمولية ثيوقراطية ديدنها الوحيد إذلال شعوبها ومصادرة حرياتهم لايحول بينها وبين ذلك أن تقضي على مئات الآلاف منهم لترعب بهم الملايين، ولم يكن الفلسطينيون أنفسهم يوماً استثناءً في أن يكونوا ضمن الضحايا.
الدلالة الخطيرة في خطوة حماس هو أنها ليست منعزلة ولا منفردة، بل تأني في سياق توجه فلسطيني رسمي و حركي عام، إن كان على مستوى السلطة، أو الفصائل، على اختلاف مشاربها وتوجهاتها الفكرية، لا يختلف في ذلك يمين عن يسار عن وسط، كلاً منهم يرى في تقاربه مع النظام السوري وملالي طهران ( حاجةً ) ماسةً للقضية الفلسطينية، ولو كان ذلك على حساب السوريين الذين وقفوا تاريخياً مع قضيتهم، ويتعرضون اليوم للتنكيل والتهجير والتغيير الديموغرافي على يدي هذين النظامين أضعافاً مضاعفةً لما تعرض له الفلسطينيون أنفسهم على مدى عقود.
بعض الأصوات السورية ( إسلامية و علمانية ) لاتزال تحاول أن تلطف صورة حماس في عيون السوريين المجروحين بعمق من خطوتها في التقارب مع النظام السوري، فيتحدثون عن صراع داخلي بين جناح قيادي في حماس رافض تماماً لخطوة التقارب، ومستند لقاعدة مهمة رافضة له أيضاً، و أجنحة أخرى أكثر تبعيةً لطهران هي من تقف وراء هذا التقارب وتدفع باتجاهه.
لهؤلاء أقول ولماذا لم نسمع أي صوت فلسطيني من حماس أو غيرها؟ من المقيمين تحت سلطة حماس أو خارج حدودها، ينتقد علناً أو يرفض خطوة التقارب تلك؟
أنا بكل تواضع لا أرى موقفاً حمساوياً رافضاً للتقارب مع النظام السوري، بل أرى موقفاً أكثر براغماتيةً يمثله السيد خالد مشعل ومن معه في الدوحه، هو في الحقيقة الأكثر أهميةً وإلفاتاً، ليس فقط لأنه يحاول أن يبيع الجمهور العربي عموماً والسوري خصوصاً خطوات حماس بطريقة تذاكي تعودنا عليها، وإنما لأنه يفعل ذلك أيضاً في إطار دعمه لتيارات بعينها في المعارضة السورية معروفه تماماً لكل السوريين، في تماهٍ دقيق مع محور إقليمي محدد ربما ينتظر هو دوره أيضاً في إعلان تقاربات ما مع النظام السوري، كماً كبيراً منها تجاوز حدود التلميح إلى التصريح، وعلى ألسنة مسؤولين رفيعين في هذا المحور.
يقودني ذلك للإشارة لأمر مهم جداً لايمكن التغاضي عنه أو إهماله:
ليس مصادفةً أبداً أن من عملوا على ( أسلمة ) القضية الفلسطينية هم أنفسهم من يحافظون على علاقات مهمة ومحورية مع تيارات ( الأسلمة ) التي اختطفت قضية الشعب السوري العادلة وحولتها إلى رقم صغير في معادلات إقليمية ليست قضايا الشعب السوري المحقة بأول ولا آخر اهتماماتها على الإطلاق.
المستهجن في الأمر أن هؤلاء يأخذون على النظام أنه جعل من سورية لاعباً صغيراً في محور طهران وملاليها، ولكنهم في نفس الوقت يأخذون القضية السورية إلى نفس المحور تماماً، أوربما أوسع قليلاً، وما تبريراتهم لخطوات حماس إلا تعبيراً عن تفاهمات معها تصب في هذا المحور نفسه.
يحق لي كعربي وكسوري أن أعبر عن رأيي في أسلمة القضية الفلسطينية، ولا أتحرج أبداً أن أقول أن مفاعيلها كانت ولاتزال وستبقى وبالاً على قضية الفلسطينيين المحقة، ولكن الأشقاء الفلسطينيين في النهاية أحرار فيما يتعلق بقضيتهم، ولو أنهم يأخذون على كل العرب أن يكونوا هم أحراراً أيضاً في رؤيتهم لقضايا شعوبهم، خصوصاً عندما يتقاطع ذلك مع مصالحهم الفلسطينية الضيقة.
أما أن نرى هذا التلازم والتوازي في أسلمة القضيتين السورية والفلسطينية ولصالح محور إقليمي بعينه، فهذا الذي من حقنا بل واجبنا كسوريين أن نرفضه ونحذر منه.
في زحمة كل ماقيل وكتب ونشر حول زيارة وفد حماس للنظام يحضرني أمر هو بمثابة ( تابو ) كبير و مرعب يمنع الكثيرين من الحديث فيه، ولكنني سأفعل ودون حرج.
أخشى أن التقاء الإسلام السياسي الفلسطيني ممثلاً بحماس، مع اليسار السياسي الفلسطيني ممثلاً بفصائل عديدة، مع تيارات الوسط الفلسطيني ممثلةً في السلطة الوطنية الفلسطينية وغيرها، على تمتين علاقاتهم مع النظام والإصرار عليها، في تحدٍ صارخ لمشاعر السوريين، هو تعبير عن طريقة تفكير ترقى لدرجة السلوك عند الأشقاء الفلسطينيين، مفادها:
( قضيتي ، ومن بعدي الطوفان ) وأرجو أن أكون مخطئاً في خشيتي وتشاؤمي، إلا أن جراح شعبي النازفه بشدة تجعلها ضرورة لن تحول دونها مجاملات لم نعد قادرين عليها.
استوعب الوجدان السوري قضية الفلسطينيين المحقة من لحظتها الأولى، وكانت فلسطين دوماً في عمق الوجدان السوري، على المستوى الشعبي والأدبي والفكري.
على المستوى الفني، قدمت ثلة رائعه من السوريين مع كاتب فلسطيني مخضرم ( التغريبة الفلسطينية ) وكأنها قضيتهم،
وعندما جاءت لحظة ( التغريبة السورية ) … أرسل لنا الأشقاء الفلسطينيون ( الحيِّة ) لتنهش ما تبقى في وجداننا من تعاطف مع قضيتهم،
فهل يستوعبون ذلك ؟

نشمي عربي

اترك رد