مقالات رأي

أتاتورك .. استرجاع سريع في يوم تأسيس الجمهورية الأولى



بقلم نشمي عربي – كاتب سوري أميركي.

في مثل هذا اليوم، 29 تشرين الأول، وقبل 99 عاماً، لم يؤسس مصطفى كمال جمهوريةً عصريةً فقط، ولكنه أسس لطريقة حكم فريدة من نوعها.
ديمقراطية برلمانية، ترعاها ديكتاتورية عسكرية، بحزم صارم، وعندما لاتكون مخرجات اللعبة ( الديمقراطية ) على هوى العسكر، يضغطون مفتاح ال REBOOT ويقولون للجميع بوضوح صادم:
( الأمر لنا ) …!!!
على حد مقصلة هذه ( الديمقراطية برعاية عسكرية ) هوى رأس رئيس الوزراء “عدنان مندريس” في انقلاب دموي من داخل التركيبة الحاكمة عام 1960.
لعل حقيقة أن الفترة التي أسس فيها نظام “مصطفى كمال” لعلمانيته لم تكن قد بلغت فيها العلمانيات الغربية حالة النضوج والإكتمال التي وصلت لها اليوم، هي التي حرمت ( علمانية العسكر ) فرصةً ثمينةً، تستوعب فيها أن العلمانيات الغربية لم تفتئت يوماً على حريات الناس في معتقداتهم وممارساتهم الدينية والروحيه، بل كانت دوماً وبحكم القوانين المدنية التي أنتجتها هذه العلمانيات راعياً وضامناً لهذه الحريات.
بالمحصلة بدت العلمانية التي أتت مع ( الجمهورية التركية ) في بعض شطحاتها أكثر صرامةً وأقلَّ تسامحاً، فكرياً وإنسانياً، النموذج الذي سيعجب به ويقلده فيما بعد محامي تونسي شاب اسمه “الحبيب بورقيبة”.
بالمقابل فإن مالايدركه منتقدوا “مصطفى كمال” هو أن شطحاته التغريبيه ونزعاته العلمانية الحادة أتت فقط بعد أمر مهم جداً يطيب لهم أن يتناسوه بالمطلق، وهو أن الرجل كان قد ضمن الضمير التركي في صفه تماماً عندما رفض أن ينصاع لإملاءات الغرب الذي حاول جاهداً في مخرجات الحرب العالمية الأولى أن يقضم أجزاء عديدة من التراب التركي ويلحقها بدول أخرى، الأمر الذي كان مهيناً ومذلَّاً للضمير الجمعي للشعب التركي، ولكنه كان أمراً ( قابلاً للتفكير به ) في أروقة “الدولة العليِّة” المنهارة، وعندما وصل الأمر لحد المجابهة العسكرية مع الغرب خاض “مصطفى كمال” بشجاعه وجرأة نادرتين حرب الإستقلال التركية التي أجبرت الغرب على احترام استقلال ووحدة الأراضي التركية، وبذلك دخل “مصطفى كمال” الوجدان التركي ليستحق بجدارة التسمية التي أطلقها بنو جلدته عليه: “أتاتورك” ، أي ( أبو الأتراك ).
يمكن للمهتمين بقراءة تجربة أتاتورك أن يستفيضوا في استقراء معالم هذه التجربة الفريدة، وأن يمضوا إلا مالانهاية في الحديث عن الكثير من السلبيات والإيجابيات في تجربة الرجل، وهي أحكام نسبية تحكمها اختلافات الأفكار والعقليات والمشارب السياسية وربما الدينية والعقيدية، ولكن المهم في الأمر أولاً وأخيراً هو أن الأتراك متصالحون فيها وعليها، مع الآخرين، والأهم فيما بينهم، ولعل مردَّ ذلك الأهم يعود لحقيقة مهمة لايمكن إنكارها أو تجاوزها، وهي أن تجربة أتاتورك أسست لدولة مهمة، عصرية، باقتصاد ناجح، هي اليوم باعتراف خصوم أتاتورك ومناصريه قوة إقليمية لايستهان بها أبداً.
ملاحظتان مهمتان أختم بهما هذه السطور:
الأولى هي أن كل الأتراك بما فيهم من ينتمون لتيارات مختلفة تماماً عن كل مايمثله أتاتورك متفقين على أن النظام الذي أنتجته تجربة الرجل هو الذي ضمن لهم أن يكونوا اليوم لاعبين مهمين في حلبة السياسة التركية، وبالمقابل فإن هناك إصرار من الجميع دون استثناء على عدم المساس بالقواعد العلمانية الراسخة للدولة التركية، وهذا أمر ( فوق سياسي ) بالنسبة للجميع.
الملاحظة الثانية وقد لامستها من خلال ترددي المتكرر لتركيا في السنوات الأخيرة وتحدثي للعديد من الأتراك من كافة المشارب السياسية هي أن الكم الأعظم من الأتراك ممن ينتمون لتيارات بعيدة عن نهج أتاتورك لايزالون مصرون على التحدث عنه ( ولو انتقاداً ) باحترامٍ شديد، وبالمقابل فإن كماً ( ولو أقل من ذلك ) من الأتراك من مؤيدي أتاتورك بشدة، صاروا أكثر انفتاحاً للتحدث عن تجربة الرجل ( ولو بتبنٍ كاملٍ لها ) ولكن بمسحةٍ أقل قليلاً من القداسه.
أعتقد جازماً أن الأتراك إذا استمروا بهذا النهج السياسي المتوازن سيكونون أكثر قدرةً على الحكم بحيادية وتجرد أكثر على تجربة أهم سياسي تركي في العصر الحديث.

نشمي عربي

اترك رد