مقالات رأي

الفالز التركي-الروسي في ظل الحرب الأوكرانية




د. كنده وزّان

على مبدأ “عدو عدوك محبّك” تعززت العلاقات الروسية-التركية في مواجهة الغرب منذ بدء الحرب في أوكرانيا فبراير/شباط من العام الجاري. فقد احتاج كلا الطرفان الجاران للآخر، و ذلك في محاولة للالتفاف على العقوبات الغربية بالنسبة لروسيا، و في محاولة لتركيا بالضغط على الغرب ، لتحقيق مكاسب سياسية داخلية و خارجية، و أيضا مكاسب اقتصادية تسند اقتصادها المترنح. فسياسة “النهج المتوازن” و “مسك العصا من المنتصف” في علاقات تركية مع كل من روسيا و الغرب بدأ واضحا منذ أن طرحت تركيا نفسها كوسيط بين الغرب و روسيا مع بداية الحرب و إطلاق صفقة الحبوب، و ما لبثت أن تطورت سريعاً إلى علاقات استراتيجية مع تطبيق العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا و قد تكلّلت في ثلاث لقاءات في ثلاثة أشهر بين بوتين و أردوغان و ما تم الاتفاق عليه لصالح الطرفين.
ما لبثت منذ البداية أن ظهرت ازدواجية العلاقات التركية مع روسيا من خلال تنديدها بالحرب الروسية على أوكرانيا و إغلاق مضيق البوسفور أمام السفن الروسية و تزويد أوكرانيا بأسلحة الطائرات المسيرة من جهة، و من جهة أخرى من خلال تقاربها مع موسكو لقضاء مصالح اقتصادية و سياسية، التي وجدت هي الأخرى بتركيا صديقاً لدوداً لا بد منه لتحقيق مصالحها وسط العزلة مع الغرب.
في الواقع، لطالما كانت العلاقات و المصالح التركية قوية مع روسيا و لا سيما في قطاع السياحة و الطاقة (النفط و الغاز) و الدفاع. و لاسيما بعد وقوف بوتين إلى جانب أردوغان عند انقلاب 2016. و كذلك كانت العلاقات التركية مع الغرب و خاصة لكونها عضو في الناتو، و حليف للولايات المتحدة، و لكنها منذ بضع سنوات في حالة غير مستقرة. و هكذا نظر بوتين إلى أردوغان عل انه مدين إليه، و إلى تركيا على أنها “الحديقة الخلفية” التي يمكن أن يقفز إليها “الأوليغارشيون” مع أموالهم المهددة بعقوبات المصادرة و الحرمان من نظام الخدمات المصرفية العالمية، و حصول الشركات المصنعة على مكونات التصنيع. و كذلك وجد أردوغان الفرصة في توظيف تلك العقوبات و توظيف تلك الأموال لتعميق الروابط المالية و التجارية و إسعاف الاقتصاد التركي بدعم قيمة العملة و مواجهة التضخم المستمر الذي تجاوز 80%، و تعزيز احتياطات المصرف التركي من العملات الصعبة. و بالرغم من تعهد الحكومة ممثلة بوزارة المالية بعدم انتهاك العقوبات الغربية، إلا أن جمعيات الأعمال التركية ضربت عرض الحائط هذا التعهد و تعاملت مع كيانات و أفراد روس من الأوليغارشيين و غيرهم من الخاضعين للعقوبات حتى بلغ عدد هذه الشركات اليوم 700 شركة روسية على الأرض التركية. و نمت الصادرات التركية إلى روسية بنسبة 75% في يوليو/تموز مقارنة بالعام السابق و اتجه الروس إليها لاستبدال الواردات. لم يتوقف الأمر عند ذلك بالنسبة لتركيا و روسيا، بل حاولت استغلال حاجة روسيا إلى أسواق الطاقة بدل السوق الأوروبية التي قلت واردات شركة “غاز بروم” الروسية إليها. فروسيا و إن كانت قد عوضت بعض خسائر نقص تصدير الطاقة إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر رفع أسعارها، إلا أنها كانت بحاجة إلى أسواق جديدة تسمح باستمرار عائدات النفط و الغاز في تعزيز الموارد المالية و تعوّض باقي النقص و تضمن دعم الاقتصاد و رفع الناتج المحلي، الذي لم يخسر حتى اليوم أكثر من 4% من قيمته. بعد لقاء طهران، كان اتفاق منتجع سوتشي الروسي في اغسطس/آب، الذي فتح صفحة جديدة في العلاقات عندما ناقش الطرفان عددا من الملفات الاستراتيجية من ضمنها مشاريع الطاقة كخط أنابيب “التيار التركي” أحد أهم شرايين توريد الغاز، و محطة الطاقة النووية التي تشيدها روسيا في مرسين التركية، و مشاريع التبادل التجاري بين البلدين، و مشاريع دفاعية و حربية كصفقة منظومة الدفاع الصاروخي S300، و مناقشة عملية عسكرية لتركيا في الشمال السوري ضد الكيان الكردي. لم ينتظر الطرفان شهر و نيف، حتى كان اتفاق بوتين و أردوغان في قمة شنغهاي للتعاون التي أقيمت في سمرقند بأوزبكستان في منتصف سبتمبر/أيلول. لقاء وصف بالحميمي خاصة بعد انتقاد أردوغان العقوبات الغربية على روسيا، حيث تم الاتفاق على دفع تركيا 25% من الغاز الروسي بالروبل، ما يوفر على تركيا من العملة الصعبة و يدعم قيمة الروبل الروسي، و تلقى الشركات الروسية السماح بتصدير منتجاتها عبر تركيا، و الرغبة بتطوير العلاقات المشتركة.
الأهداف السياسية-الاقتصادية التركية من التقارب مع روسيا، لا تقف عند ذلك، فهو يرمي من خلالها إصابة أهداف أبعد: فتحسين الاقتصاد التركي ضرورة ملحة في الداخل التركي من أجل ضمان الناخبين في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى العام القادم، و إظهار التعاون مع روسيا و إيران هو أيضاً ورقة ضغط على الولايات المتحدة من أجل صفقة الطائرات الحربية إف 16، و إبعادها عن دعم الكيان الكردي في الشمال السوري.
كل هذه الاستعراضات التركية و رقص الفالز المستفز مع روسيا، كان الغرب ينظر إليها و يتابعها بعين الغضب و الحيرة، لذلك لم يتوانى عن إرسال إشارات و ردود رغم حاجته إلى
3 / 3
تركيا كوسيط لهم مع الروس لإيجاد حلّ للحرب الأوكرانية و رعاية صفقات الحبوب. فكانت الإنذارات الأمريكية لجمعيات الأعمال التركية، و التهديد بفرض عقوبات عليها، و إثارة التوتر التركي-اليوناني في جزر بحر إيجة. و هذا التصعيد الأخير يمكن أن يخفف من فعالية ورقة اللاجئين التي تمسك بها تركيا في مواجهة دول الاتحاد الأوروبي، حيث كانت تركيا تحاول غض الطرف عن تسرب موجة جديدة من اللاجئين عبر أراضيها إلى اليونان و منها إلى صربيا التي سهلت مرورهم بضوء أخضر من روسيا.
قد يكون الطرفان التركي و الروسي حققا بعض الأهداف الاقتصادية على المسرح الجيوسياسي الشرقي أما الأهداف السياسية فلم يحسم أمرها بعد طالما تحقيقها بيد أقطاب عالمية على المسرح الجيوسياسي الغربي.

اترك رد