نشمي عربي – واشنطن

معركة إنتخابات الكونغرس النصفية الحالية التي بدأت ملامح نتائجها تتضح وإن كانت لم تحسم بشكل رسمي ونهائي بعد كانت لها أهميتها المميزة، فقد أتت في ظل انقسام أميركي حاد ليس على مستوى الحزبين الجمهوري والديمقراطي والنخب السياسية الأمريكية التي تدور في فلكيهما فقط، بل أيضاً على مستوى الشارع الأميركي، وشملت كل الطبقات الإجتماعية، أفقياً من اليمين لليسار، وعمودياً من الشرائح الأقل دخلاً إلى تلك الأكثر ثراءً.
أَجَّجَ حالة الإنقسام تلك تضخم إقتصادي غير مسبوق لامس حياة أغلب الأميركيين لعله الأكثر حدةً منذ عقود طويلة.
الأمر إذاً لايتعلق بالسياسة فقط، بل هو أمر حياتي ومعيشي لايستثني أحداً من الأمريكيين.
يضاف إلى ذلك أن أميركا كما باقي الإقتصادات الكبرى لاتزال تئن جراء تداعيات جائحة كوفيد وما خلفته من آثار اقتصاديه حادة كانت لها آثارها السلبية على حياة الجميع دون استثناء، بل لعلها كانت هي المسبب الأهم لحالة التضخم الإقتصادي الغير مسبوق منذ عقود، مضافاً إليها حالة الحرب المعلنه بين الغرب عموماً وروسيا جراء الغزو الروسي لأوكرانيا وما أشعلته من نيران انقسامات واصطفافات دولية خطيرة في عالمٍ هش و منقسم أساساً، ناهيك عن تأثيراتها الإقتصادية السلبية على كل الأطراف، خصوصاً في مجال الطاقة.
أميركا مجتمع استهلاكي بالفطرة، والأميركي يهتم بالسياسات المحلية والدولية بالقدر الذي تؤثر به في حالته المعيشية، لايعني ذلك أبداً أن عوامل الإنقسام الإجتماعي والسياسي الأخرى ( كموضوع الإجهاض وحقوق الأقليات والقضايا الدولية ) لن تكون ذات قيمة وازنه، فهي ستستمر في تأثيرها بالمزاج السياسي لعدد مهم من الناخبين، ولكن الهم الإقتصادي الحياتي المعيشي ربما سيكون دوماً في مقدمة الأمور التي ستحدد هذا المزاج وتؤثر بشكل مباشر في خيار الناخب الأميركي أمام صندوق الإقتراع.
موضوع الطاقة وأسعار النفط المرتفعه بماتتركه من آثار سلبيه مهمه في حياة الأميركيين كان حاضراً قوياً أيضاً، وببعدين مهمين:
الأول إقتصادي معيشي يلامس حياة كل أميركي، يعيشه يومياً أمام مضخة التزود بالوقود لسيارته، وشهرياً في فاتورة الوقود المنزلي المرتفعه.
الأمر الثاني سياسي بامتياز وإن كان مستنداً لأساس إقتصادي و يتمثل في ما يصوره الجمهوريون من عدم قدرة الولايات المتحدة بإدارتها الديمقراطية الحاليه على التأثير في أسعار النفط من خلال دفعها الدول المنتجة لزيادة وازنة في إنتاجها، الأمر الذي سعت له الإدارة بقوة ربما تمثلت في زيارة بايدن للعربية السعودية والتي لم تؤتِ ثمارها.
الجمهوريون الذين تلقوا صدمتهم الكبرى في انتخابات نوفمبر 2020 حين خسروا البيت الأبيض والأغلبية في الكونغرس بمجلسيه ( نواب و شيوخ ) لمنافسيهم الديموقراطيين، رؤوا في حالة التراجع الإقتصادي التي أثرت في معيشة غالب الأميركيين وعدم قدرة الإدارة على التأثير في أسعار الطاقه فرصة ثمينه يمكنهم البناء عليها لإلحاق ( هزيمة كبرى ) بمنافسيهم الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس النصفية التي تضع أوزارها مع نهاية عطلة هذا الأسبوع، مستفيدين أيضاً من حقيقة تاريخية وهي أن الأميركيين عموماً في أية انتخابات نصفية لمجلس النواب وتكميلية لمجلس الشيوخ يميلون فطرياً لدعم مرشحين من غير حزب الرئيس وإدارته كنوع من الحفاظ على التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعيه ودعم لمبدأ فصل السلطات الذي تقوم عليه الولايات المتحدة.
ضمن هذا الإطار، وبالترافق مع حالة الإستياء الشعبي العام التي يعيشها غالب الأميركيين للأسباب الإقتصادية الآنفة الذكر فقد كان طبيعياً ومتوقعاً أن تكون نتائج الإنتخابات الحالية في غير صالح الرئيس بايدن وحزبه الديمقراطي.
الجمهوريون التواقون للعودة بقوة بغالبية وازنة لمجلسي النواب والشيوخ حاولوا الإستفادة من كل هذه الظروف المحيطة، خصوصاً مع دخول الرئيس السابق ترمب ( جريح هزيمة 2020 ) على الخط، والذي شارك بقوة وكثافة في دعم حملات العديد من المرشحين الجمهوريين، أملاً في صناعة انتصار جمهوري كاسح يسيطر فيه الجمهوريون على مفاصل السلطة التشريعية بما يضع العديد من العراقيل والمصاعب أمام الإدارة الديمقراطية الحالية في عاميها المتبقيين، و يخلق أرضية مريحة له للترشح مجدداً لكرسي الرئاسة في انتخابات 2024 القادمة.
صحيح أن النتائج كما اتضحت في صورتها الحالية حملت تقدماً للجمهوريين سيمكنهم من استعادة الأغلبية في مجلس النواب وقد تؤمن لهم أغلبية متواضعه جداً في مجلس الشيوخ ( رغم أنني أشك في ذلك أيضاً ) إلا أن هذه النتائج حملت دلالات لافته لايمكن تجاوزها.
الدلالة الأهم هي أن هذه النتائج كانت الأكثر تواضعاً على الإطلاق لحزب معارض في أية انتخابات نصفية منذ عهد إدارة الرئيس ريغان، والحقيقة أن هذه النتائج ( حتى في ظل استحواذ الجمهوريين على غالبية طفيفة في مجلس النواب ) قد جعلت الفريق الديمقراطي الحاكم يتنفس الصعداء ويشعر بارتياح كبير.
الدلالة الثانية وربما لاتقل أهمية أيضاً هي أن المرشحين الجمهوريين لمجلسي النواب والشيوخ الذين تلقوا دعماً واضحاً وكبيراً من الرئيس ترمب منيوا إما بهزائم أو نتائج أقل من متواضعه في هذه الإنتخابات، مما يجعل الرئيس السابق ترمب اليوم عرضة لانتقادات عنيفة من داخل صفوف الحزب الجمهوري الذي يسعى بقوة للحصول على ورقة ترشيحه لمنصب الرئيس مجدداً في انتخابات 2024 الرئاسية.
ببساطه شديدة وباختصار وتركيز فإن ( الإنتصار الجمهوري الكاسح ) لم يأتِ ، ولم يكن حتى قريباً في الأفق، ولعل ذلك يحمل مجموعة رسائل مهمة، أمريكياً ودولياً.
أمريكياً فإن الرساله الأهم للجمهوريين هي أن ترمب حصان خاسر ولن يكون من الحكمة أن يضعوا كل آمالاهم عليه للعودة للبيت الأبيض مع انتخابات 2024, مما يعزز من فرص النجم الجمهوري الصاعد حاكم ولاية فلوريدا “رون ديستانس”.
هناك أيضاً رسالة للديمقراطيين وهي أن إصرار الإدارة على إعادة إحياء اتفاقية باراك أوباما الكارثية مع إيران حرمها فرصة الإستفادة من حلفاء تقليديين للولايات المتحدة في المنطقة العربية كان من الممكن أن يبذلوا جهود حقيقية لخفض أسعار النفط مما كان سيجعل الديمقراطيين في وضع أكثر ارتياحاً.
دولياً وإقليمياً فإن هناك رسالة مهمة جداً لدول مهمة و وازنه في المنطقه العربيه مفادها أن معالجة العلاقات العربية-الأمريكية أمر مهم جداً يجب على الطرفين العمل عليه بشكلٍ متوازٍ ومتواتر، فمن جانب الإدارة ربما يكون حكيماً جداً العمل على تبديد مخاوف الدول العربية من الإتفاقية النووية مع إيران وهذا بكون فقط من خلال عدم متابعة خطأ أوباما التاريخي بغض النظر عن التمدد الإيراني الهدام في المنطقه العربية مقابل إنجاح الإتفاقية النووية العرجاء مع طهران.
أما فيما يتعلق بالدول العربية المهمة والوازنه والتي تتداخل مصالحها بشدة بعلاقاتها بالولايات المتحدة فلعل الرساله الواضحة والمهمة تتلخص في أن ترمب الآن ( ولعامين مقبلين على الأقل ) هو شيء من الماضي، ولن يكون أمراً حكيماً ولاحيوياً ربط علاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة بآمال عودة ترمب في 2024, خاصةً وأنها لن تكون أمراً مضموناً تماماً.

نشمي عربي – واشنطن.