زيد العظم

“الدولة توقف يد السارق عن السرقة والدين يصلح قلبه” قال هذه العبارة واحد من أهم المحامين وفقهاء التشريعات المدنية على مر التاريخ. إنه الفقيه الذي ألف قانونا مدنيا يتساوى فيه جميع البشر في فرنسا ، إنه “جان إيتيان بورتالي”

..
بورتالي كان من أوائل الفقهاء الذين نظَّروا لحياد الدولة تجاه جميع الأديان ، دون إنكار دور الدين المجتمعي.

حياد الدولة تجاه الأديان أو بعبارة أخرى فصل الدولة عن الدين والعكس صحيح ، لايرادفه مايشاع الآن في مفهوم الدولة المدنية، حيث الأخيرة تشير إلى فصل الدولة عن سلطة العسكر والجيش.

هل العلمانية هي المرادف لمبدأ حياد الدولة الديني ؟ أنا شخصيا لا أركن لمصطلح العلمانية ، حيث لا جذر معجمي حقيقي لهذه الكلمة يدل بشكل تقني على حياد الدولة. بل أعتقد أن “اللائكية” هي المصطلح الصائب المعبِّر عن حياد الدولة.

لماذا اللائكية ؟

لأن المجتمعات الأولى السبّاقة في تبني فصل الدين عن الدولة ، قد انشغلت كثيراً حول إيجاد مصطلح دقيق لحياد الدولة الديني. في فرنسا مثلاً استقر الفقه المدني الحديث على كلمة “LAÏCITÉ” لاييستيه. المأخوذة من الجذر اللاتيني “LACOS” والتي تعني الجماعة اللامنتمية إلى طبقة رجال الدين. وتم اعتماد هذا المصطلح رسميا في قانون 1905 وتمت دسرته في دستور 1958.

القاموس العربي يضم مئات الكلمات والمصطلحات الغربية واللاتينية ، وحتى كبار فقهاء اللغة العربية يستحيل عليهم لفظ الأشياء بأسماء عربية. من يقول اليوم مذياع عوضا عن راديو ، أو رائي عوضا عن تلفزيون، أو كتاب وجه عوضا عن الفيس بوك؟

ومن هنا أدافع دائماً بأن يتم اعتماد كلمة اللائكية المأخوذة من جذرها الصحيح لاكوس والتي تشير إلى إبعاد رجال وسيدات الدين عن السياسة. كما تم اعتماد كلمة فيزياء وكيمياء وجغرافية كمرادفات لعلوم طبيعية مأخوذة من الغرب.

إن اللائكية الحقة لا تعني في حال من الأحوال أن تصبح الدولة سلاح تحارب الأديان ، أو أن ينقلب حيادها الإيجابي تجاه الأديان إلى حياد سلبي.

خارج نطاق السياسة والدولة والبرلمان ، هناك المجتمع وهناك حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد، حيث لايمكن لأحد أن يمنع الدين أو الفلسفة أو التأمل في أن تملأ قلوب الناس كما يريدونه هم. وبعبارة أخرى دور الدين أو التأمل في تهذيب النفس البشرية كما قال ذات يوم الفقيه الفرنسي بورتالي بأن الدين يصلح قلب السارق.

الفقيه الفرنسي بورتالي