بقلم نشمي عربي – كاتب سوري أميركي يعيش في واشنطن


لست من هواة عناوين “التابلويد” المثيرة لما أكتبه، تلك لها “فرسانها”، و لا أرى في ذلك غضاضة، فللناس مذاهبهم ومدارسهم فيما يكتبون، و فيما ينشرون … ولكني في تناولي لقضية المفتي وكل اللغط ( المبرر) الذي أثاره المرسوم الأخير والمثير للجدل الذي أطاح به و ألغى موقعه مرةً وللأبد ، آثرت أن يكون عنوان ما أكتبه من صلب رؤيتي للموضوع ، و التي تحتمل ( دوماً ) الخطأ والصواب ، ومن حق الجميع أن يختلفوا أو يتفقوا معها كما يحلو لهم ، وأؤكد احترامي لكافة الآراء على تنوعها ، خصوصاً تلك التي تختلف مع المتواضع الذي أجتهد فيه . ولأن ما أكتبه هو مقالة رأي سياسي في المقام الأول فإنه لابد من التأكيد على قضية هامة جداً ، وهي أن أي تناول من كاتب السطور لأي من السادة المفتين في هذه المقالة أو في غيرها ، لهو تناول لموقفهم السياسي والوطني قبل أي شيءٍ آخر ، ولايتعلق أبداً بالجانب الإيماني أو العقيدي لدى أي منهم ( وإن لامسه ) فهذا قطعاً ليس القصد من هذه السطور التي حاشى أن يتنطح كاتبها بشخصه المتواضع لمثل هذه المهمة التي أخالها فوق طاقة وصلاحية البشر ، أي بشر. قضية المفتي من الممكن تناولها على عدة مستويات مختلفة ، كل منها يطرح أو يؤكد وجهة نظر معينة ، وكان طبيعياً أن تتوزع آراء السوريين بينها على اختلافها. في مروحة الآراء والتفسيرات المختلفة حول الأمر كان هناك شبه إجماع لدى السوريين أن الموضوع الأهم والأجدر بالدراسة والتمحيص هو إلغاء موقع المفتي كلياً وإحالة إختصاصاته كلها ( هو و كل مفتي المحافظات ) إلى “المجلس العلمي الفقهي”،الذي تشكّل وفقا للمادة الخامسة من القانون رقم 31 للعام 2018 الخاص بوزارة الأوقاف ، وأن هذا الأمر هو الأكثر خطورةً من قضية عزل مفتي أو تعيين بديل له ، لا يقلل ذلك من الظاهرة الجدلية الحادة للمفتي الذي أطاح المرسوم به تلقائياً وحتى دون عناء ذكر اسمه أو موقعه ، فالرجل كان دوماً حالةً خلافيةً كبرى نتيجة مواقفه المؤيدة بشدة للنظام في حربه على شعبه ،والتي استحق بها عن جدارة لقب “مفتي البراميل” الذي سيلاحقه حتى بعد مماته. أعلم يقيناً أن هناك من يؤمنون بشدة بما اعتبروه “خطاباً تنويرياً متسامحاً” للمفتي المطاح به ، لن أناقش في مدى صحة أوصدق هذا القول ، ولكن يحق للسوريين جميعاً أن يتساءلوا لماذا لم يكن لمأساتهم جميعاً ( معارضين وموالين ) مكان في هذا الخطاب “التنويري المتسامح” ؟ الذي يصدق فيه ( بغض النظر عن مدى حقيقته ) قول الشاعر: ( ليتها لم تزنِ ولم تتصدقِ ) …!!! حتى بعض صقور النظام من مسؤولي الأمن والجيش كانت لهم في مفاصل معينة مبادرات توفيقية تسعى لحلول غير أمنية بالمطلق وتتبنى خطاب براغماتي يحاول تطويق الأزمة في بداياتها ، ولكن خطاب المفتي حسون ( التنويري المتسامح ) لم يكن معنياً بأكثر من إظهار تأييده التام للحل الأمني الذي أصبح في مرحلة لاحقة عسكرياً بالمطلق ، في انحدارةٍٍ خطيرة لموقع المفتي من قيمته الروحية الوطنية المفترضة إلى حالة “بروباغاندا” للنظام أين منها “إدارة التوجيه المعنوي” لقواته المسلحة أوذراعه التشبيحية المتمثلة بجيشه الإلكتروني .!! و لعله من هنا كان منطقياً جداً أن يتم تخصيص ( سماحة المفتي ) بمكتب إضافي ( غير مكتبه الرسمي ) في البناء القريب من قصر المهاجرين والمخصص لمعاوني نائب الرئيس وبعض المستشارين الأمنيين الذين كان لبعضهم ( في بدايات الحراك الشعبي السوري ) دور متقدم جداً على دور سماحته ( المفترض ) في محاولة إيجاد حلول تحفظ النظام و تؤمن استمراريته ، و تحافظ على وحدة البلد و أمنه ، و لا يضيرها إن هي حققت بعضطموحات السوريين المشروعة والمتواضعة و خففت من فاتورة الدماء على الجميع ، وربما من هنا أيضاً تأتي بعض تفسيراتإنهاء دور حسون في أنه قد تم استنفاذه واستهلاكه تماماً في تلك المهمة التي تنطَّحَ لها دونما إبطاء ، ولعلنا سنشهد عمليات إنهاء مماثلة لأدوار العديد من الأمنيين والعسكريين في مراحل قادمة تماهياً مع عملية إقليمية يتم الإعداد لها ببطيء مستفيدةًمن حالة لامبالاة دولية قائمة . ردود أفعال السوريين أظهرت أيضاً رأياً مهماً لايمكن تجاوزه أو الإلتفاف حوله ، وهو أن الأمر برمته لايستحق الوقوف عنده إن كان لجهة شخص المفتي أو موقعه ، فالشخص والموقع كلاهما “مدجَّنان” تماماً منذ عام 1963 تاريخ وصول البعث للسلطة ،الأمر الذي سأعود له في هذه السطور . نحن إذاً في تناولنا لموضوع المفتي وموقعه لانتحدث عن مفتي حقيقي بشخصه وموقعه ، مفتي بوزن الطبيب الشيخ أبو اليسرعابدين مثلاً ، الذي لم يجد حرجاً في أن يرفض بشكل قاطع أن يعطي الرئيس عبد الناصر إبان الوحدة فتوى تدعم عملية التأميم التي كانت كارثية بكل المقاييس على الإقتصاد والمجتمع السوري وقبل ذلك كله على مستقبل دولة الوحدة برمته ، ففي الوقت الذي كان من الممكن لعبد الناصر الحصول على هذه الفتوى من الشيخ محمود شلتوت مثلاً ، شيخ الأزهر وقتها أولمن حمل لقب الإمام الأكبر ، كونه نظرياً أعلى سلطة دينية في دولة الوحدة ، إلا أن عبد الناصر أصرَّ على أن تكون فتوى التأميم تحديداً من “ابن عابدين” دون غيره ، بما يعكس إدراكاً عميقاً وسليماً عند عبد الناصر للقيمة الروحية والمعنوية التي يحظى بها الشيخ الطبيب ( شخصاً و موقعاً ) في نفوس السوريين ، و ليت هذا الإدراك انسحب على قراره عندما جاءت فتوى”ابن عابدين” على غير ما يشتهيها ورافضةً لأي غطاء ديني لعملية التأميم ، وحين حاول عبد الناصر الوصول لفتوى أقل حدةً ورفضاً جاءه جواب المفتي بوضوح وجلاء : “ليس لك إلا هذه الفتوى ، ووالله لا أبيع ديني بدنياي ولا بدنيا غيري” … ليدفع ثمن موقفه في إنهاء خدمته كمفتي في عام 1961 لتعيده حكومة الإنفصال لموقعه بعد شهرين عقب انهيار دولة الوحدة ليبقى فيه حتى عام 1963 حيث تم إنهاء خدمته نهائياً بعد وصول البعث للسلطة بأقل من شهر واحد . مواقف الشيخ أبو اليسر عابدين الوطنية أيام النضال ضد المستعمر الفرنسي ومشاركته بالثورة السورية الكبرى عام 1925 وحمله السلاح على إثر نكبة فلسطين في 1948 وفوق ذلك كله رئاسته للجنة التسلح السورية أيام العدوان الثلاثي على مصرعام 1956 , كل هذه لم تشفع له عند عبد الناصر الذي أهمل نصيحته بالعدول عن التأميم وانقاد ل “مراهقات” الحوراني ووقع في فخ البعث الذي جعله يخسر دولة الوحدة خلال شهرين من التأميم ومن إقالته للمفتي الجليل . الأمر المهم الآخر الذي يستوجب التوقف عنده هو الآلية التي وصل بها الشيخ أبو اليسر عابدين لموقع المفتي ، فهو و المفتي الذي سبقه “محمد شكري راغب الأسطواني” تم انتخابهما لموقع المفتي من قبل مجلس الإفتاء الأعلى بعد أن وصلا فيه لمرتبة”وكيل الإفتاء” في حالة الشيخ الإسطواني أو “مفتياً وكيلاً” في حالة الشيخ أبو اليسر ، والعملية الإنتخابية كانت بعيدة عنأية سلطة حكومية أو سياسية ، حتى عندما قررت حكومة الإنفصال إعادة الشيخ أبو اليسر عابدين لموقعه كمفتي ( وقد فعلت ذلك بمرسوم ) فقد استندت إلى أنه لايزال المفتي المنتخب من مجلس الإفتاء الأعلى الذي لم ينتخب مفتياً بديلاً بعد إزاحةالرئيس عبد الناصر له . صحيح أن أول من تقلد منصب المفتي رسمياً في الدولة السورية بعد خروجها رسمياً من الدولة العثمانية ( الشيخ عطا الله الكسم ) كان قد تم تعيينه بعد سقوط سورية بيد الحلفاء عام 1918 ومبايعته للملك فيصل بن الحسين الذي عينه رئيساً للجنة الأوقاف و عضواً في ولاية دمشق ، و من ثم نودي به “مفتياً للديار الشامية” ، ولكن ذلك لم يمنع المفتي المعين من أن يعلن الدعوة للجهاد المقدس ضد القوات الفرنسية التي كانت تتقدم لاحتلال بلده سورية ، وإثر إعلان الرئيس التركي مصطفى كمال إلغاء الخلافة رسمياً ,شارك المفتي الكسم في تأسيس “جمعية الخلافة الإسلامية السورية” التي كانت تسعى لإيجاد خليفة للمسلمين بعد سقوط خلافة آل عثمان ، الأمر له دلالته المهمة فالسلطة الدينية ( بماتمثله ) لا تستمد شرعيتها من السلطةالسياسية وليست عرضةً لتدخلاتها ، بل وربما ( في ظروف تلك الفترة ) كان العكس هو الصحيح . كل ماذكرته آنفاً يؤكد حجج من يعتقدون أن التوقف عند المرسوم الأخير ليس مهماً ، و لعل في الفروق الخيالية بين المفتينا لذين ذكرتهم أعلاه بشخوصهم ومواقعهم ، و ( المفتي ) الذي أزاحه المرسوم الأخير بشخصه و موقعه ، ما يدعم هذا الرأي ،وما ينقضه في آن ، فمدى الإنحدار الذي وصلت له مكانة المفتي لهو دليل أيضاً على أن استهداف الموقع له أهمية كبرى لاينتقص منها الكم الكبير من الجدل الذي كانت قد أثارته شخصية ( المفتي ) البائد بالمرسوم ، و لكن الأمانة تقتضي أيضاً أن أقول بأن حسون لم يكن أول مفتي يثير هذا الكم من الجدل ، ولكن ظروف العشرية الأخيرة الدامية التي مرت بها سورية والتي شهدت صعود ( الظاهرة الحسونية ) بمرسوم ، وأفولها بمرسوم آخر تعفف حتى عن أي ذكر له ، هي ما جعلت منه محلاً للإستهجان الشديد من الطيف الأوسع من السوريين ، ومثاراً للكثير من الجدل ، إذ أن هناك من يرى أن حسون قد خلف في موقعه مفتياً آخر ربما أثار كماً أكبر من الجدل على الأقل بحكم المدة الطويلة التي شغل فيها هذا الموقع وأكثر من أي مفتي آخر في التاريخ السوري ، المقصود طبعاً هو المفتي الراحل أحمد كفتارو الذي مثل عهده علامة فارقة وغير مسبوقة ليس في موقع المفتي فحسب وإنما في العلاقة المعقدة والشائكة بين السلطة السياسية و الطبقة الدينية عموماً . السوريون الذين عاصروا الفترة الطويلة التي تولى فيها الشيخ أحمد كفتارو منصب المفتي ( أربعون عاماً ) سيكون من الصعب جداً عليهم استذكار المفتي الراحل في معزل عن صورة مهمة جداً وذات دلالات عميقة انطبعت في نفوسهم كان السوريون مضطرون لرؤيتها مرتين أو ثلاث كل عام ، وربما أربع ، إنها صورة الشيخ أحمد كفتارو متأبطاً ذراع حافظ الأسد بحميمية مقصودة ما كانت قطعاً لتتم دون رضى تام من الأسد ، الرجل الذي يهتم بأدق التفاصيل ، والأهم من ذلك مؤشراتهاعند السوريين. الجدل الشديد الذي أثارته شخصية المفتيين الأخيرين ( كفتارو و حسون ) ليس الأمر الوحيد الذي يجمع بينهما ، فكلاهما أيضاً لم يؤسس ( بشخصه ) لمدرسة دينية راسخة بمعنى الكلمة ، وهذا ليس له علاقة بعدد المريدين والأتباع ، فكلاهما ( وخصوصاً الشيخ أحمد كفتارو ) لم يعدَم جيشاً من المريدين والمؤيدين والأتباع والمحاسيب ، ولكن هذا أمر مختلف تماماً عن أن تكون لهما مدرسة علمية راسخة في أصول الدين ، مختصةً في الفقه أو الحديث أو السيرة ، وإنما كان الإنتشار يعتمدعلى البعد الشخصي و الإجتماعي وإن كان بمظهر ديني رسمي، ومنظم بشكل دقيق جداً تدعمه جهود إغاثية و تعليمية في حالة الشيخ كفتارو. رغم ذلك فإنني أعتقد بوجود فرق مفصلي هام جداً بين ظاهرة الشيخ كفتارو و حالة المفتي حسون ، ففي الوقت الذي أجزم فيه بأن حالة الثاني ( حسون ) لم تتعدى في أحسن أحوالها أن تكون انعكاساً تلقائياً متواضعاً وبائساً لحالة سياسية أكثرتواضعاً و بؤساً عنوانها الأهم هو تخبط الرؤى أو بالأحرى انعدامها كلياً ، فإن الأول ( كفتارو ) وبكل جدارة كان ركناً أساسياً في نظام الأسد الأب الأكثر دقةً ورصانةً و صبراً ، والأهم من ذلك الأكثر تحديداً لأهدافه وتصميماً على بلوغها مهما كانت الأثمان . عندما أقول أن المفتي الراحل كفتارو لم يكن يمثل مدرسة راسخة في أصول أو علوم الدين فليس القصد من ذلك الإنتقاص من مقدرته العلمية أو الفكرية ، فالرجل كما ينقل عنه مريدوه فسر القرآن الكريم أربع مرات خلال حياته الحافلة ، ولكن المقصود هوأنه لم يعتمد ذلك منهجاً رئيساً وأساسياً في مراسه الديني أو الدعوي ولعل ذلك مرده إلى أن الشيخ اعتمد المنهج الصوفي على الطريقة النقشبندية الخالدية التي ورثها عن أببه الشيخ أمين كفتارو الذي قدمه لأهم شيوخها ليتتلمذ على أيديهم أمثال الشيخ علي التكريتي والشيخ محمد أبو الخير الميداني والشيخ أمين الزملكاني ، الذين كانوا يمثلون المدرسة الصّوفيّة الطرقيّة، بينما كان الشّيخ بدر الدّين الحسني محدث الشام الأكبر مثلاً يمثّل المدرسة الصّوفيّة العلميّة التي تعتمد الفقه والحديث منهجاً ، وتجلى ذلك في من أخذوا عنه من مشايخ الشام الكبار وأهمهم الشيخ عبد الكريم الرفاعي والشيخ حسن حبنكة الميداني . أمران مهمان كان لهما شديد الأثر في تكوين ذهنية أحمد كفتارو ، أولهما يعود إلى طبيعة الصوفية النقشبندية الخالدية التي نشأ عليها وأخذها عن أبيه وشيوخ الطريقة في زمنه ، والتي تقوم على دور مركزي وأساسي جداً لشخص شيخ الطريقة ،لدرجة تصبح فيها كراماته وصفاته وكل ما يروى عنه أهم من أي منهج علمي أو فكري ، وهي أمور تستوجب طاعة المريدين التامة واندماجهم الكامل في شخص الشيخ أو ( خليفة الطريقة ) بحيث يصبح كل ما يأخذوه عنه في حكم المسلمات التي لاتقبل أي جدال أو نقاش دون الحاجة لأي سند من القرآن أو السنة أو ما يستدل عليها في الفقه أو السيرة . أما الأمر الآخر فلعل ذكاء كفتارو الحاد وبراغماتيته الشديدة قد أقنعاه في أنه والحالة كذلك مع جمهوره في النقشبندية الخالدية فلا حاجة لتضييع الوقت والجهد في التبحر في أصول علوم الدين المتشعبة ، الأمر الذي أتاح له أن يركز وقته وجهده في ناحية أخرى مهمة وحيوية جداً ألا وهي النشاط الإغاثي والإجتماعي الذي يقوم على مساعدة جمهوره العريض في العديد من مناحي الحياة الإقتصادية والصحية والتعليمية ، الأمر الذي مكن له تماماً في صفوف هذا الجمهور الذي اجتمعتله تبعية روحية مطلقة للشيخ أتاحتها طبيعة الصوفية النقشبندية ومصلحة حياتية تقوم بها الجمعيات الإغاثية والإجتماعية التي أسسها الشيخ كفتارو وأعطاها من جهده واهتمامه الشديد . رغم أن علاقة كفتارو بحكومات ورجالات البعث قد تجلَّت لأبعد الحدود في علاقته اللافتة بحافظ الأسد إلا أنها حقيقةً لم تبدأمعه ومع نظامه بل سبقت ذلك بسنين طوال ، ولعل المفصل الفارق في علاقته بالبعث كان عام 1957 في المعركة النيابية على كرسي النائب عن دمشق منير العجلاني الذي رفعت الحصانة عنه بعدما أدين بتهمة تأييد حلف بغداد ، وغدت دمشق على شفا معركة نيابية طاحنه لملء كرسيه طرفاها رياض المالكي شقيق الشهيد عدنان المالكي والمدعوم من البعث والشيوعيين والقوميين السوريين و بالطرف المقابل الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين وعضو رابطة علماء الشام مدعوماً من علماء دمشق الذين تبنوا المعركة ليس حباً بالإخوان ولا تأييداً لهم وإنما لإثبات موقعهم ومكانتهم خاصةً وأن المقعدالمتنازع عليه كان لمنير العجلاني وهو زوج ابنة الشيخ تاج الدين الحسني الرئيس الأسبق ، أي حفيدة الشيخ بدر الدين الحسني ، محدث الشام الأكبر . الظروف التي كانت تمر بها سورية في تلك الفترة الدقيقة والصراع بين دوائر نفوذ عديدة اقليمية ودولية أعطت لتلك المعركة النيابية حجماً وبعداً أكبر وأبعد بكثير من كرسي نيابي في انتخابات تكميلية ، فقد كانت في الحقيقة تخفي وراءها معركةأ كبر وأهم لتقاسم النفوذ بين تيارات عديدة متناحرة ، ومن هنا أتى حجم الحشد الرهيب بين طرفيها اللذان كانا متقاربان جداًفي حجم التأييد لهما ، فرياض المالكي علاوةً على انه شقيق عدنان المالكي مما أعطاه تعاطفاً كبيراً بعد استشهاد شقيقه المأساوي ، فقد كان ابن مدينة دمشق والصراع في النهاية كان على كرسي من كراسيها ، وفي المقابل فوقوف علماء دمشق وتياراتها الدينية بكل ما لها من نفوذ في تلك الفترة وتوحيد جهودها مع ماكينة الإخوان الإنتخابية لم يكن أمراً يستهان به ، وقدكان أمراً لافتاً أن تتحد جهود الطرفين لدعم مرشح غير دمشقي هو الدكتور السباعي . في حمأة تلك المواجهة الإنتخابية الحامية وتمترس طرفيها في قاعدتين شعبيتين وازنتين وشبه متعادلتين في حجم التأييد ،كان أمراً مفصلياً جداً لأي منهما أن يحصل على دعم طرف ثالث ، مما يرجح الكفة لصالحه ، في تلك الفترة كان الشيخ أحمد كفتارو مفتياً لدمشق وعينه على موقع المفتي العام ، الذي يعلم بحدسه وذكائه الشديد أن المؤسسة الدينية التقليدية لن تدعمه للوصول إليه لإعتبارات عديدة أهمها أنه رغم كل مكانته في جمهوره خصوصاً وجمهور النقشبندية عموماً إلا أنه لا ينتمي عضوياً للمؤسسة الدينية التقليدية ، فهو في النهاية ليس سليل رابطة علماء الشام مثلاً أو الجمعية الغراء ، أو أي من الكيانات العضوية التي تقوم عليها المؤسسة الدينية التقليدية ، ببساطة شديدة أدرك كفتارو أن طريقه لموقع المفتي لن يكون إلا من خلال الدعم أو تبني طرف ثالث له ، كان مشهداً سوريالياً بامتياز أن هناك معركة نيابية تحتاج لطرف ثالث ليضمن نجاحاً ولو طفيفاًلأحد طرفيها ، ومفتياً طموحاً لدمشق يحتاج دعم طرفٍ ثالث ليمهد له الطريق نحو منصب المفتي العام مستقبلاً ، كل ما كان ينقص المشهد هو ذاك العبقري الذي سينسق حاجات الطرفين و يؤلف بينها ، ليدعم كفتارو ترشح المالكي الآن ، مقابل أن يدعم البعث مستقبلاً ترشحه لمنصب المفتي العام ، شخص واحد فقط كان بهذه العبقرية و ( الرؤيوية ) و هو علاوةً على ذلك في صميم المشهد ، ومن يبز أكرم الحوراني في أن يكون هو هذا العبقري الملهم ؟ أغلب ظني أن أمران مهمان ساهما في التقارب بين الحوراني و كفتارو ، أولهما أن الحوراني بذكائه الشديد ( وهو مهندس أغلب الإنقلابات السورية ) كان يشعر أن المالكي كان دمشقياً ولكن ليس بما يكفي ليحصل على دعم كل الدمشقيين العاديين المحافظين بطبعهم ، و أن حقيقة تبني البعث و الشيوعيين و القوميين السوريين لترشحه سوف تضفي عليه مسحة يسارية لتساعده على كسب أصواتهم ، وأنه لا بد و الحالة كذلك من أن يتم كسر حدة هذه المسحة اليسارية عن مرشحه ، و أن مسحةً دينيةً ولو متواضعة من الممكن أن تقوم بذلك ، فالدمشقيين العاديين الذين يحتاج مرشحه أصواتهم محافظين بطبعهم ولكنهم ليسوا متعصبين ، و من هنا كان ظهور المالكي في درس الشيخ أحمد كفتارو في جامع “يلبغا” عشية الإنتخابات وتقريب الشيخ له والطلب إلى مريديه ( بتهويماته الصوفية المعتادة ) دعمه في الإنتخابات ، أمراً مفصلياً وأدى المطلوب منه تماماً . الأمر الآخر الذي أعتقده هو أن الحوراني في سعيه لحشد الدعم لمرشحه ( الغير تقليدي تماماً ) في بيئته ، قد وقع على مالم بكن أن يضفي على أهم موقع ديني في سورية طابعاً غير تقليديً البته ، كان الحوراني ببساطة مغرماً بكل ما هو ( غيرتقليدي ) وعدواً شرساً لكل البنى التقليدية ، سواءً في الجيش أو السياسة ، فلم لا يكون كذلك في الدين أيضاً ؟ ذهب الحوراني إلى كفتارو وكل طموحه أن يخرج من جلسته معه بوعد لدعم مرشحه للنيابة ، فخرج من تلك الجلسة وفي مخيلته مشروع واعد لمفتي مستقبلي غير تقليدي على الإطلاق ، مفتي على قياس دولة ( العمال و الفلاحين ) التي كان يحلم بها ، و وجد أن كفتارو في الحقيقة يمثل أنسب مشروع مفتي لهذه الدولة الموعودة. وفَّى كفتارو بالتزامه للحوراني ، ونجح رياض المالكي ، و خرج السباعي من اللعبة سياسياً و صحياً ، وصار البعث مديناً لكفتارو ، ولكن البعث كان لايزال يخطو بمنتهى الحذر فلم يشأ وهو لم يقبض على السلطة بكليتها بعد أن يفتح معركة ضد مفتي بحجم وثقل أبو اليسر عابدين ، و كفتارو لم يكن مستعجلاً أيضاً ، خاصةً أن حالة التعادل السلبي لكافة الفرقاء كانت على شفا الإنهيار ، وهذا ما حصل وكانت الوحدة مع مصر من أهم تجليات حالة الإنسداد السياسي تلك التي استشرت في سىوربة بين عامي 57 و 58 عام قيام الوحدة ، والتي إن كانت قد أجبرت كلاً من الحوراني و كفتارو على تأجيل حلمهما المشترك بتنصيب الثاني مفتياً لدولة الأول ، إلا أن من خيراتها ( الوحدة ) أنها فوضت أمر إزاحة المفتي الحالي ( أبو اليسرعابدين ) إلى عبد الناصر ، الذي سقط في فخ التأميم الذي كان الحوراني نفسه من أهم الدافعين له ، ليسقط على أثره ( ابن عابدين ) و نظام الوحدة كاملاً ، لينتقل البعث لخانة التربص بحكم الإنفصال بعدما تخلص من حكم عبد الناصر ، لا تثريب في الأمر ، فالشيخ أحمد كفتارو يجيد فن الإنتظار الذي لن يطول لأبعد من آذار/مارس 1963, العام الذي قبض فيه البعث على سورية كلها ، ولتبدأ فصول إعداد كفتارو لموقع المفتي ، ولكن على نار هادئة. تقتضي الموضوعية أن نعترف أن بعثيي آذار 63 لم تكن رؤوسهم حامية لدرجة الغليان الذي حرَّق السوريين مع بعثيي 23 شباط/فبراير 66 , ظهر ذلك جلياً في طريقة تنصيب كفتارو مفتياً عاماً بعد قبض البعث على السلطة في آذار/مارس 63 . لعب البعث لعبته بهدوء و تصميم ، أولاً تمت إحالة المفتي أبو اليسر عابدين إلى التقاعد خلال أقل من شهر من وثوب البعث للسلطة ، و تعيين الشيخ عبد الرزاق الحمصي مفتياً عاماً بالوكالة ، كان البعث بحاجة لفترة إنتقالية يتم فيها إعادة ترتيب مجلس الإفتاء الأعلى الذي سيقوم هو بانتخاب المفتي العام ، فتم استبدال عدد من مفتي المحافظات الذين لا يحتاج تعيينهم لإنتخابات ، و إدخال مفتين جدد ، وكذلك العديد من القضاة الشرعيين الذين سيشاركون في انتخاب المفتي العام ، ومن الملفت للنظر أنه كان يتم تغيير وزير الأوقاف مع كل تعديل وزاري في حكومات البيطار الأولى والثانية والثالثة التي أعقبت إنقلابآذار/مارس 1963. عندما أصبحت الأرضية مهيأة تماماً كان واضحاً أن كفتارو هو مرشح البعث القوي في مقابل مرشح رابطة علماء الشام الشيخ حسن حبنكة الميداني . كانت مفارقةً مهمةً أن الأسباب والموجبات التي دفعت البعث لتبني الشيخ أحمد كفتارو ليكون مرشحه لمنصب المفتي العام تتناقض في مواضع كثيرة مع الأسباب التي دفعت رابطة علماء الشام خصوصاً والتيار الإسلامي الدمشقي التقليدي عموماً للدفع بالشيخ حسن حبنكة ليكون مرشحهم للموقع نفسه. ليس الأمر مفاضلةً بين الشيخين الوازنين ، ولكنها فروقات في المنهج والطريقة خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة ببن رجال الدين والحاكم ، والرجلان اجتهدا كل في حدود قناعاته ورؤاه ، وللناس والأيام أن يقولوا كلمتهم فيهما. كان نهج كفتارو يدل على قناعته بأن مصلحة المسلمين تكمن في الإتفاق المطلق والدائم مع الحاكم والإبتعاد عن أي خلاف أواختلاف معه ، وهو يعتقد أن هذا أكثر جدوى لعموم المسلمين ويُمَكِّنَ لهم عند الحاكم بما يفيدهم في قضايا دينهم ودنياهم ،ولعل في ذلك النهج في العلاقة مع الحاكم انعكاس طبيعي وتلقائي لنهج العلاقة بين المريد و شيخه في الصوفية النقشبندية الطرقية ( نسبةً إلى الطريقة ) التي نشأ وأنشأ جمهوره عليها . الشيخ حسن حبنكة بالمقابل نشأ على مرجعية إسلامية علمية تحكمها وتنظمها مباديء شرعية لها سندها في القرآن والسنة وما يرفدها في الفقه والسيرة ، تلك هي المدرسة الصوفية العلمية التي أخذها عن شيوخه مثل أمين سويد وعطا الله الكسم وشريف اليعقوبي و المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني . هذه النشأة الإسلامية المستندة إلى الأصول الراسخة لعلوم الدين عند الشيخ حبنكة كانت ترفدها أيضاً طباع شخصية وخصال إنسانية من نوع مختلف تماماً ، هي أقرب إلى التمرد على كل ما يجافي قيم الحق والعدل كما يراها من خلال عقيدته الراسخة ، تجلى ذلك في انضمامه لابن حيه في الميدان محمد الأشمر في وقوفه في وجه المحتل الفرنسي ، وموقفه العنيف الرافض لقانون الطوائف الذي حاول المحتل الفرنسي فرضه لتنظيم الأحوال الشخصية ، ومواقفه العلنية من حكم الشيشكلي العسكري ، وغيرها مواقف عديدة ، كل هذا قبل مواقفه المعروفة في مجابهات شرسة مع البعث في مفاصل عديدة ، حتى عندما كان الرئيس القوتلي يحضر أحياناً صلاة الجمعه في جامع منجك بالميدان كان الشيخ حسن حبنكة لايتورع في خطبته عن نصح القوتلي وحضه على مراعاة حقوق البلاد والعباد رغم العلاقة الجيدة التي كانت تربطه به . لعل أكثر من تأثر بهم الشيخ حسن حبنكة من مشايخه هو الشيخ علي الدقر ، الذي يعود له الفضل الأكبر في نشر العلم ، وهو مؤسس الجمعية الغراء التي أخذت على عاتقها تأمين كل مستلزمات التعليم لكل طالب لا يقدر على تحمل نفقاته بما فيها المأكل والمسكن ، وكان الشيخ علي الدقر قد وطد علاقته بتجار دمشق واستخدم نفوذه لديهم وتقديرهم له ففرض على القادرمنهم جعالة شهرية يصرف بها على طلبة العلم خاصةً من أبناء الأرياف ويعينهم في كافة مجالات حياتهم ليتفرغوا لطلب العلم والتحصيل الدراسي في مختلف نواحي العلوم الشرعية. ورث الشيخ حسن حبنكة عن شيخه علي الدقر ولعه بنشر العلم و جهاده ضد المستعمر الفرنسي ، وعلاقةً محورية وحيوية مع تجار الشام سيكون لها دور مهم في مدى تأثير الشيخ و نفوذه في المجتمع الدمشقي لاحقاً . هذه العوامل مجتمعةً أضافت إلى أسباب البعث ليدعم بشكل مطلق ترشح الشيخ أحمد كفتارو لمنصب المفتي العام وهذاماحصل عندما أثمرت جهود البعث في تغيير بنية المجلس الأعلى للإفتاء والقضاة الشرعيين الذين يحق لهم انتخاب المفتي العام والتي تم العمل عليها خلال فترة قيام الشيخ عبد الرزاق الحمصي بمهمة المفتي بالوكالة ، ونجح الشيخ أحمد كفتاروبفارق صوت واحد عن الشيخ حسن حبنكة ليفتح عهداً جديداً في موقع المفتي العام لسورية للأربعين عاماً القادمة. دخل أحمد كفتارو عرين الأسد رسمياً مفتياً لدولة البعث ومن ثم لدولة حافظ الأسد وابنه من بعده ، حتى آخر يوم في حياته ،ودخل حسن حبنكة الميداني وجدان الدمشقيين خصوصاً والسوريين عموماً رمزاً دينياً و شعبياً وإنسانياً في حالةٍ قلَّما تجلى فيها الإسلام السني الدمشقي في شخص رجل واحد ، وبقي كذلك حتى آخر يوم في حياته. كان أحمد كفتارو مفتي الدولة ، وركناً أساسياً في توازنات نظام حافظ الأسد ، و كان حسن حبنكة مفتي الضمير ، وصمام أمان الإسلام الدمشقي الذي يحافظ على الثوابت ويعرف كيف يتعامل مع المتغيرات ، واللافت أن كلا الرجلين اعترف للآخرضمنياً بمكانته وموقعه ، ولم يحاول الافتئات عليها ، في تناغمٍ فريد لعله تناغم “الأمر الواقع” … تناغم ما أنت قادر على تحصيله ، لا ما تتمناه ، لعل الرجلان أدركا بحسهما المرهف أنهما طرفان في معادلةٍ واحدة ، لا يغير في ذلك كونهما على طرفي نقيض فيها ، وحدها عاصمة الأمويين كانت قادرة على إنتاج معادلةٍ كهذه ، ووحده حافظ الأسد عرف كيف يجيرها ويسخرها لمصلحته فيما بعد. كما أن علاقة التماهي بين كفتارو و البعث كانت قد بدأت قبل حافظ الأسد بسنين ، فإن مجابهات الشيخ حسن حبنكة مع البعث كانت قد احتدمت قبل وثوب حافظ الأسد للسلطة بسنين. ربما كانت اعتصامات الأموي عام 65 هي أول المواجهات العلنية بين الشيخ حسن حبنكة والبعث فقد كان له دور هام جداً في تحشيد الناس ضد الأوضاع التي آلت لها البلد ، وأهم مافي هذه الإعتصامات أنها تزامنت مع إضراب للتجار في تجلٍ واضح ومهم لمدى نفوذ المؤسسة الدينية في الطبقة التجارية الدمشقية ، كان هناك خيط رفيع ولكنه قوي ومهم بين معاقل السنية الدمشقية وشارع الحريقة ، رمز البازار وطبقة تجار الشام، هذا الخيط سوف يشكل في المستقبل هاجساً مهماً لحافظ الأسد ، فرض نفسه في مواجهته مع هذه الشريحة المهمة التي يمثلها الشيخ حسن حبنكة و لا يمكن تجاهلها في السنية الدمشقية في ما عرف بمواجهات الدستور عام 73 والتي تمخضت عن اتفاق غير معلن بين الأسد و تلك الشريحة المهمة ( ببعديها الديني والتجاري ) وموقعها الوازن في السنية الدمشقية ،التزم فيه الأسد بالإبقاء على فقرة ديانة رئيس الجمهورية ووجوب أن يكون مسلماً ، والتزموا هم بالمقابل بالإعتراف به رئيساً مسلماً ، كان هذا بمثابة إتفاق الأمر الواقع وفن الممكن ، وحافظ الطرفان عليه. يبرز هنا سؤال مهم حول مدى صوابية الإذعان لاتفاق كهذا كان مفصلاً بالأساس على قياس الأسد القابض على كل مقدرات السلطة ، و بالكاد يحافظ على رمزية ديانة رئيس الدولة التي تشكل عند ( بعض السوريين ) رمزيةً مهمة ؟ ولعل الجواب البديهي يكمن في مدى قدرة الأطراف كلها على تحدي حالة الأمر الواقع التي وصلت البلد إليها في وقت مبكرجداً من حكم الأسد الأب . كان حافظ الأسد يدرك بأن السنية الدمشقية أعرض و أوسع من أن يتم اختزالها في طبقة رجال الدين والتجار عموماً والشيخ حبنكة و شارع الحريقة خصوصاً ، ولكن واقعيته الشديدة أيضاً دفعته لأن يعترف بمدى نفوذ هاتين الطبقتين ليقرأببراعة شديدة طبيعة العلاقة المهمة بينهما و ما يمثلانه في الوجدان السني الدمشقي ، وأنها في معزل عن بعدها الوجداني وربما الشرعي عند الطرفين فإنها لا تخل أيضاً من منافع متبادلة بينهما ، فكلاهما يؤمن للآخر نفوذاً وتأثيراً وقيمةً مضافةً وازنةً في بلد يقوم على توازنات دقيقة. كان حافظ الأسد يدرك أنه في الوقت الذي لا تملك فيه مؤسسته الدينية الرسمية ( ممثلة بكفتارو ) هذا الثقل في صفوف البورجوازية الدمشقية ، فإنه يكفيه من المؤسسة الدينية الغير رسمية ( ممثلةً يالشيخ حسن حبنكة و مدرسته ) حالة المساكنه التي اجترحها الطرفان بعد مواجهات الدستور في 73 , وبالمقابل فإن هذه السنية الدمشقية نفسها حافظت على مسافة من حكم الأسد ، ولكنها التزمت التزاماً ثابتاً وقطعياً بعدم الخروج عليه. صحيح أنه مع الوقت استطاع حافظ الأسد التقليل بشدة من نفوذ التيارات الدينية السنية الدمشقية في البورجوازية الدمشقية من خلال إقامة تحالفات مباشرة معها ترعاها وتمتنها شراكات مهولة بين بعض ضباطه والكثير من رموزها ، أدت في النهاية إلى تغيير بنيوي في شكل و مضمون البورجوازية الدمشقية ، إلا أنه وبحذره الشديد لم يجد نفسه مضطراً للدخول في مجابهة مع تلك التيارات السنية الدمشقية التقليدية التي كانت حافظت على مسافة من نظامه. كان الجميع يمارس لعبة ( فن الممكن ) ، كلٌ ضمن حدود قدراته ومصالحه . في قراره الأخير بإلغاء منصب المفتي العام يستكمل الأسد الإبن إنقلابه على كل سياسات أبيه وتوازناته التي مكنته من الإحتفاظ بالحكم حتى رحيله ، وتأمين انتقاله إليه بعد الرحيل. لعل الأسد الإبن يرى واقعاً سورياً جديداً لايشعر فيه أنه بحاجة لسياسات أبيه ولا لتوازناتها الدقيقة ؟ أم أنه في قرارة نفسه يعلم أنه حتى توازنات كهذه لم تعد لتقدم أو تؤخر في المشهد السوري ؟ السوريون المناهضون للأسد اليوم في خطوتهم الرمزية بالتنادي لاختيار الشيخ أسامة نجل الشيخ المرحوم عبد الكريم الرفاعي مفتياً ربما هم يعودون و لو عاطفياً لمدرسة ( مفتي الضمير ) الشيخ حسن حبنكة بكل ما مثلته في وجدانهم لسنين طوال ، لعلهم هم أيضاً في تداعيهم لانتخاب مفتي يصدق فيهم ما قلته في الأسد الإبن ؟ هل هم أيضاً يستشرفون واقعاً سورياً جديداً تنسجم معه خطوتهم هذه ؟ أم أن هذه الخطوة وغيرها لن تقدم أو تؤخر فيما تحمله الأيام لبلدهم ؟

نشمي عربي – واشنطن

اترك رد