Getty image

بقلم نشمي عربي ، كاتب سوري أميركي مقيم في واشنطن

في حرقة تطلعهم لرؤية فصلٍ أخير يختصر مأساتهم التي طالت كثيراً ، تابع السوريون على شاشة “تلفزيون سورية” البرنامج الوثائقي “الفصل الأخير” ، العمل المميز الذي عرض في الذكرى السنوية الأولى لرحيل المبدع حاتم علي.

حاتم في رحيله المفاجيء أواخر عام 2020 أعطى السوريين نافذة و إن كانت حزينة إلا أنها مهمة ليتوافقوا على أمرٍ ما ، في وقت صار الإختلاف بين الجميع و على كل شيء سمةً لحياتهم و كابوساً قابضاً على حركاتهم و سكناتهم ، و كأن السوريون في إصرارهم على الإختلاف ينتقمون في لاشعورهم من عقودٍ لم يكن مسموحاً لهم فيها سوى الإذعان لكل شيء.

هذا الإختلاف وإن كان الأصل فيه كما في ( الكليشيه) التي نرددها دوماً في أنه ( ظاهرة صحية ) ، إلا أنه في الحالة السورية أضحى من الممكن وصفه بأي شيء إلا أن يكون صحياً ، و كأن السوريين في لا وعيهم يستنسخون حالة الإختلاف الدولي الحاد حول بلدهم و يجارونها باختلافات فيما بينهم سرعان ما تتحول إلى خلافات ، تبدأ و لا تنتهي ، و الأسوأ أنها صارت تتخذ أشكالاً حادةً و شرسة ، بين المعارضين أنفسهم ، كما بين الموالين أنفسهم ، و الأدهى من ذلك هو أن الخلافات في صفوف المعارضين و هي الأعنف و الأشرس ، لا يغير في موقفهم منها إيمانهم الأكيد بأنها تمد في عمر النظام ناهيك عن أنها ترسخ في المأساة التي نعيشها جميعاً ، لدرجة أصبح فيها موضوع الخلاص السوري ثانوياً عند أغلب ( المعارضين ) إذا ما قيس بإصرار الجميع على تسجيل نقاطٍ ضد بعضهم البعض.

ظاهرة حاتم علي نفسها لم تنجُ أيضاً من أن تلفحها رياح الإختلاف السوري و أن تَسِمُهَا بميسمها الذي لا يرحم ، فمع الوقت تحولت ( حالة الإتحاد ) التي استغرق فيها معظم السوريين عند رحيله المحزن إلى حالة تجاذب و تبادل إتهامات تطال ليس موقف حاتم علي وحده وإنما كذلك كل أولئك القريبين منه مهنياً و فكرياً.

إن كان من إيجابيةٍ ما في الأمر فهي أن حالة الإختلاف هذه حول ظاهرة حاتم علي تحمل في طياتها أمراً مفصلياً و لافتاً ، وهو أنها تعبير مهم عن الحالة السورية بإطارها الأعم و الأعمق ، أو على الأقل فهذا ما أكده تناول العمل التلفزيوني “الفصل الأخير” للموضوع برمته ، فالعمل وإن كان موضوعه الأصلي استذكاراً لحاتم علي في الذكرى السنوية الأولى لغيابه ، إلا أنه في الحقيقة كان يتناول الحالة السورية بعمومها و عمقها ، ظهر ذلك بوضوح من خلال الطريقة التي تناول بها العمل حاتم علي إنسانياً و مهنياً و فكرياً.

“الفصل الأخير” اعتمد بشكل أساسي على شهادات مهمة لمجموعه من الفنانين الذين عملوا عن قرب مع حاتم علي ، لا أعلم إن كانت شهاداتهم تلك إجابات على أسئلة وضعها معد العمل أم أنه ترك لكل منهم أن يسترسل في الحديث عن حاتم ، سيِّان الأمر فقد أتى العمل وكأنه يرسم صورةً ذات أبعاد متعددة ، فيها الإنساني و المهني ولكن السياسي ( سواء عن قصد أو بدونه ) كان دائماً في خلفية المشهد و بوضوحٍ لا يمكن إغفاله.

كانت معادلة العمل واضحة ، الضيوف الذين قام العمل على شهاداتهم في الصورة و حاتم علي في المخرج و الحاصل هو الشأن السوري بكافة أبعاده و تجلياته ، وسواء كان هناك قصداً مبيَّتاً عند معد العمل أو الضيوف أو المحطة أم لم يكن فقد كان أغلب ما جاء به الضيوف في حديثهم عن حاتم إسقاطاً صريحاً و مباشراً على ثورة الشعب السوري التي كانوا هم و حاتم أحد تجلياتها المهمة.

من هنا فإن شهادة الفنان جمال سليمان في “الفصل الأخير” تتخذ أهمية خاصة ليس فقط بحكم كونه الأقرب إلى حاتم على المستويين المهني و الإنساني ، بل ربما بحكم كونه الأكثر مواكبةً للشأن السوري العام ، سواء من خلال عضويته في مراحل معينة لمنصةِ معارضةٍ ما أو عمله مع لجان بعينها ، والأهم من هذا إصرار كل الإعلاميين الذين يحضر جمال سليمان في لقاءاتهم على ألا يخلوا حديثهم معه من التكلم في الشان السياسي السوري وموقفه منه ، لا بل ربما أن يغدو هذا المحور هو الأهم في اللقاء أو الحديث.

في استحضاره الجميل و الذكي لذكرى رفيق دربه ، لا يؤكد جمال سليمان في مشاركته المفصلية في هذا العمل وفاؤه لذكرى صديقٍ أحبه و شريكٍ عاش معه أهم أعماله فحسب ، بل هو يؤكد أيضاً و يجدد التزامه بقضيته وقضية حاتم علي الأهم ، قضية بلدهم سورية ، وأين وقفا منها في الأمس معاً ، وأين يقف منها هو اليوم ، في وقتٍ تشتد فيه حمى نبوءات وخيالات ( حكواتية ) السياسة السورية ( معارضين و موالين ) و سردياتهم ، المضحكه حيناً و المستفزة أحياناً.

حاتم كان رجل خجول ، قليل الكلام ، شخصية تتأمل ، تستمع ، أكثر مما تقول

كعادته ، استطاع جمال سليمان أن ينفذ من ذكرى حاتم علي إلى عمق الشأن السوري و السوريين في ثورتهم من أجل حريتهم بكل مباشرة و شفافية ، بل لعله اختار أن يكون ضميرهم و لسان حالهم في الحديث عن حاتم و ما يمثله في وجدانهم جميعاً.

( حاتم كان رجل خجول ، قليل الكلام ، شخصية تتأمل ، تستمع ، أكثر مما تقول ) ، ليست مصادفة أبداً أن يبدأ جمال سليمان حديثه عن حاتم بأن يقدمه بهذا الوصف المهم و ذو الدلالة العميقة ، و كأنه يرد على بعض الأصوات التي تأخذ على حاتم أن معارضته للنظام و انحيازه للشعب لم يبلغا من الوضوح والجلاء الحد الذي رآه السوريون في موقفه هو مثلاً…

( حاتم ماكان يتدخل بالسياسة بالشكل المباشر ويتكلم بهذة المواضيع ، ولكنه عبر عنها في أعماله ) ، يتابع جمال سليمان موضحاً ، و لا يكتفي بطرح هذه المقولة حول حقيقة موقف حاتم من كل ما قامت ثورة الشعب السوري لأجله ، بل يقدم دفوعه لتأكيدها ، كيف فعل جمال سليمان ذلك ؟ الأمر بسيط ، الراحل كان مخرجاً ، ولم يكن مخرجاً عادياً ، و من يتحدث عنه هو ممثل ، وهو ليس ممثلاً عادياً أيضاً ، و من الطبيعي أن يقرأ الممثلُ المخرجَ بعين خبيرة و متمكنة ، فهو يرى ما لا يراه غيره ، و يضعه في نصابه الدقيق تماماً ، من هنا تأتي قراءة جمال سليمان المهمة لتوظيف حاتم علي الذكي و الملفت جداً للكاميرا في أحد مشاهد صقر قريش ، عندما التقطت بدر ، فتى عبد الرحمن الداخل و رفيق دربه ، في وحدته و عزلته ، على هامش لقاء عبد الرحمن الداخل بعبد الملك المرواني في سعيه لإعادة إحياء العصبة الأموية ، فيما يراه جمال سليمان ( دليل على انحياز المخرج في موقفه الفكري من الشخصيات و انحيازاً للمهمشين أمام العصبيات ) ، أو ليس هذا أحد أهم أسباب ما قام السوريون لأجله في 2011 ؟

كذلك وفي التقاطةٍ مهمة لم ينسَ جمال سليمان أن يشير لموقف حاتم علي الصريح والذي لا لبس فيه اتجاه المثقف ( الذي في لحظة من اللحظات يفشل في الدفاع عن الحق و يؤثر السلامة ) هو يتحدث عن المواجهة بين أبو صالح و حسن في التغريبة الفلسطينية ، و كيف حاول علي ( المثقف المتعلم الذي أخذ فرصته ، أن يتلصص على اللحظة ، لا يتدخل ، لا يقول كلمة ، لا يدافع ) … جمال سليمان بمنتهى الوضوح يرى في تركيز حاتم على دور “علي” المثقف في هذا المشهد ، و موقعه ، و موقفه ( كان بمثابة إدانة من حاتم لهذا المثقف الذي في لحظة من اللحظات يفشل في الدفاع عن الحق و يؤثر السلامة ، ما بدي أدخل بصدام ، خليني بعيد ، خليني على الحياد ) يتابع جمال سليمان ( بالنسبة لحاتم هذه معاني إذا لم يوصلها الحوار توصلها الكاميرا ، هي مرتبطة بثقافة حاتم و معرفته بالمجتمع والدور الذي لعبه المثقف في الحياة العربية ، و متى كان دور هذا المثقف إيجابي و طليعي ، و متى توارى و لم يدافع عن الحقيقة ، و لم يدافع عن خيارات الناس ) … لعل جمال سليمان يستدل بموقف حاتم علي في هذا المشهد لتأكيد أين يقف حاتم من أشباه المثقفين ، اولئك الذين تواروا و لم يدافعوا عن الحقيقة في المشهد السوري الأعم ؟

ما تعفف جمال سليمان عن الإشارة إليه كان ذاك المشهد الأكثر سورياليةً ، عندما تنطح بعض هؤلاء لتشييع جثمان حاتم و ظهورهم ( الدرامي ) في عزائه …

في وصف جمال سليمان لعالم حاتم علي المخرج ، يأخذنا إلى نقطة تماهٍ شديدة مع الشأن السوري في إدراكٍ شديد منه لتعقيداته ، فعندما يقول :

( في أغلب أعمال حاتم لا الأشخاص ولا الوقائع ولا الجماعات يُنظَر لها من منظور الأبيض والأسود ، بل في أطياف من الألوان مختلفة ، حتى الشخص الواحد ، عبد الرحمن الداخل ، المعتمد بن عباد ، الحكم بن عبد الرحمن ، محمد بن أبي عامر ، هي شخصيات ثلاثية الأبعاد ، و بأطياف لونية مختلفة ، نرى عيوبها ، نزعاتها السلبية ، و الإيجابيات ، لحظات الإشراق و البطولة و الإنجاز في حياتها ، لحظات الخطأ و الإخفاق و الخسارة ).

الأمر ينطبق تماماً على المشهد السوري و مدى حاجة الجميع فيه ، خصوصاً أولئك الذين يقدمون أنفسهم على أنهم في المقلب المعارض ، لرؤيةٍ متعددة الأبعاد و الأطياف كتلك التي قدمها حاتم علي في أعماله ، رؤية معافاة من داء التنميط و التسطيح الذين أنهكا كاهل السوريين جميعاً و ضاعفا من مأساوية الحالة السورية التي لا تستثني أحداً.

حتى عندما تحدث جمال سليمان عن معالجة حاتم لشخصيات البطولة التاريخية و أنها اعتمدت كما في مسلس “الزير سالم” مثلاً ( تحدي الذاكرة الجمعية والمفاهيم السائدة و الروايات التقليدية ، و مراجعة مواقف الأبطال و مفهوم البطولة ) ، ربما هناك رسالة واضحة لجمهوري المعارضة و الموالاة السوريين في أن يعتمدوا مقاربة مماثلة للشأن السوري يخففون فيها من غلواء التنميط و التسطيح في مقارباتهم لمواقف الحلفاء و الخصوم معاً ؟ و في كلا المقلبين ؟تظهر هذه الرسالة بوضوح أكثر في نظرة جمال سليمان للطريقة الفذة التي قدم بها حاتم شخصية صلاح الدين حيث الإبتعاد عن الصورة النمطية للمقاتل على حساب الجانب الإنساني للشخصية ، حيث يقول : ( صلاح الدين في نظر الناس شخص مقاتل ، بينما هو شخص مفكر أكثر منه مقاتل ، كان يتمنى أن تمضي الحياة بدون الحروب ، و لكن كان لا مفر ) و كأن جمال سليمان يتحدث لأولئك السوريين من كل الأطراف الذين يصرون على رسم صورة نمطية ما للمعارض أو الموالي ؟ ولن يرضيهم أن يأتي بقول أو عمل لا ينسجم مع تلك الصورة التي رسموها هم في خيالاتهم له ؟

( تقديم صورة صلاح الدين كشخص محب للحروب و كمقاتل فقط على حساب الجانب النفسي و الفكري لشخصية صلاح الدين هو الذي لم يرده المؤلف وليد سيف و لا المخرج حاتم علي ، لذلك تم تنفيذ المسلسل بطريقة أظهرت الجانب الفكري و الوجداني و التأملي و حتى التصوفي في شخصية صلاح الدين ) الرسالة واضحة ، و ما أحوج المشهد السوري في مقلبيه لمقاربةٍ مماثلة لشخصيات الموالين و المعارضين ، فهم في النهاية و بغض النظر عن الموقف السياسي بشر ، لايمكن اختصار جوانب عديدة من شخصياتهم في موقف محدد أو قول معين.

استحضار جمال سليمان لتجربة حاتم المميزة في “الفصول الأربعة” لم يكن أيضاً بعيداً عن ربط الأمس باليوم ، و الخارج بالداخل ، و الموالين بالمعارضين ، الذين هم في النهاية كلهم سوريون ،

يقول جمال سليمان عن مسلسل “الفصول الأربعه” : ( المسلسل تحول إلى ما يشبه حبل السرة بين كثير سوريين موجودين الآن في أصقاع الأرض ، في بلاد الهجرة و التهجير و في المنافي ، و حتى السوريين الموجودين داخل سورية ، هو حبل سرة بين هؤلاء جميعاً و ماضي معين …سورية التي يحبونها ) .

في التقاطةٍ ذات مغزى مهم تختار الفنانة يارا صبرا عبر مشاركتها في “الفصل الأخير” أن تنقلنا إلى أجواء كواليس تصوير مسلسل الفصول الأربعة ، فتقول ، والتأثر بادٍ عليها : ( أكثر الأعمال اللي كنت مرتاحة فيها بالعمل هي الفصول الأربعة ، أقصد في الكواليس ، رغم أننا كنا كتار ، و لكن كنا كتير مبسوطين ، كتير حابين بعض ، كتير حابين الجو ، و أنا برأيي أن هذا كتير مهم ، و لا ممكن يصير إلا إذا فرضه المخرج ، يفرضه المخرج ليس لأن شخصيته قوية ، لا ، بل بحبه ، بمحبته للمشروع اللي عم ينعمل ، بمحبته للناس اللي عم تشتغل بهالمشروع ) … هل التقطت يارا صبري اللحظة فقط لتبدي إعجابها بإدارة حاتم علي لمشاهد الفصول الأربعة ؟ أم أنها تشير إلى المشهد السوري الأعم و الأهم و الذي افتقد في لحظةٍ فاصلةٍ ما ذلك المخرج الذي كان منتظراً منه أن يقود مشروع خلاص سورية من فصلٍ دامٍ ليس كمثل الفصول الأربعة في شيء ؟

تأثر يارا صبري يذهب إلى مداه الأقصى حينما تتحدث عن تجربتها مع حاتم في التغريبة الفلسطينية ، فتقول بصوتٍ لا يستطيع إخفاء ألمه : ( وقت كنا عم نشتغل بالتغريبة الفلسطينية ما كان يخطر ببالنا انه راح تنعاد هي التغريبة …. معنا ….. يعني نحنا كسوريين … يمكن بوقتها لما عشناها .. أنا قلت انه كنا نخربط انه نحنا بحقيقة ولا عم نمثل .. بس بعدين لما شفنا التغريبة السورية … قلنا انه كيف التاريخ بيعيد نفسه بطرق مختلفة ، بس النتيجة هي مؤلمة جداً ) …

هل نحن بحاجة لأدلة أكثر على أن قضية حاتم هي قضية سورية كلها ؟ و أن شخوص مسلسلاته ماهم إلا السوريون على اختلاف مواقعهم و مواقفهم ؟

وكأن الفنانه عزة البحرة تجيب على هذا التساؤل عندما تقول خلال ظهورها في “الفصل الأخير” :

( الدور اللي لعبته يارا في التغريبة الفلسطينية ، هلق بتتفاجأ أنه نص السوريات بلبنان عم يشتغلوا شغل يارا … تشتغل بالبيوت لتطعمي عائلتها ، لتطعمي ولادها ، لتدرس ولادها … لما كنا عم نصور التغريبة ماخطرلنا انه نحنا بعد كم سنه ، نوقع بالتغريبة السورية ) …

لعل أهم ما قام به معد عمل “الفصل الأخير” و بذكاء شديد أنه ركز من خلال حبكة العمل و سيرورة التعليقات فيه ، مع شهادات الضيوف ، على أمر أساسي جداً ، و هو أن ظاهرة حاتم علي تمكنت من ملامسة وجدان السوريين بحميميةٍ شديدة لسببٍ في غاية الأهمية ، و في غاية البساطة ، و هو أن هذا المخرج المبدع ، و الفنان الفذ ، و الإنسان المتميز ، الذي استطاع بعصاميةٍ شديدة أن يصل في مجال إبداعه إلى أقصى ما يمكن الطموح له ، ما هو في النهاية إلا شخص من عامة السوريين ، من أواسط الناس ، يشبههم في كل شيء ، هو صورة السوري الذي تصادفه في الطريق ، و في وسائط النقل العمومية ، أو في الدوائر الحكومية ، أو المطاعم الشعبية ، من يشبهون حاتم علي لا تراهم عادةً في مسبح الشيراتون ، ولا في ( البوب ) ، و لا يلعبون البليارد أو البولينغ ، هو مجرد سوري آخر ، في وقتٍ تعود فيه العقل الجمعي للسوريين على أن التميز و النجاح هو صفة اختص الله بها أبناء المسؤولين الكبار ، بعد أن كرست ظاهرة ( الفارس الذهبي ) بكل ما تحمله من استعلاء جرحاً عميقاً في ضمائرهم ، لتتبعها ظاهرة المعلوماتي الأول ، و الطبيب الأول ، و المتفوق الأول …. بعيداً عن كل هؤلاء ، هاهو واحد منهم ، يشبههم في كل شيء ، و يشبهونه في كل شيء ، يصل إلى النجاح الذي فطرت شخصية السوري عليه ، قبل أن تسممها رياح البعث العاتية ، مع كل ما اقتلعته من قيم جميلة و حضارية .

في شهادته في “الفصل الأخير” يؤكد الممثل سامر اسماعيل على وفاء حاتم علي لكل هؤلاء الذين يشبهونه و يشبههم ، عامة السوريين ، هذا الوفاء تجلى في النموذج الذي قدمه حاتم في تعامله كمخرج مع كل من يعمل معه ، يقول سامر اسماعيل : ( الحلو بالشغل مع حاتم انه ما كان في نجم ، كان في ممثلين ، اللي كان عنده مشاهد قليلة ، و اللي كان عنده مشاهد كتيرة ، أو اللي هو بطل المسلسل ، أو من له أدوار ثانوية مساعدة ، كلهم كانوا يعاملون بنفس الطريقة ).

حتى رحيل حاتم المفاجئ كان لابد أن يحمل في تداعياته شكل المأساة السورية ، بكل تجلياتها و ارتداداتها ، الفنان ماهر صليبي في ظهوره في الفصل الأخير عبر عن ذلك بمسحة وجدانية جداً عندما وصف عدم تمكن أصدقاء حاتم من حضور جنازته و تشييعه و عزائه بسبب الأوضاع التي تمر بها سورية و السوريون : ( الشي اللي بيضايقنا نحنا أصدقاءه أنه ماكنا موجودين ، ما قدرنا نعزي بشكل قريب و صادق ، ما قدرنا نحمله على كتافنا ، ما قدرنا نحكي كلمة معه ، هو هدا اللي بيضايقك شوي ، مو شوي ، كتير الحقيقة ، بتحس بالهجرة ، قديش الهجرة بشعه ، قديش نحنا بعاد عن بعض ).

هؤلاء الذين كانوا يشبهون حاتم و يشبههم ، و فهموه و فهمهم ، هم أيضاً كانوا أوفياء له ، و لعل أسمى درجات الوفاء هذه ظهرت في جنازة حاتم ، سواءً في حي المالكي الراقي حيث خرج جثمانه من مشفى الشامي ، أو في حي أبورمانة حيث تمت الصلاه عليه ، أو حين دخول الجنازة لأحياء دمشق العريقة و العتيقة المؤدية إلى تربة “الباب الصغير” حيث ووري جثمانه ، تداعى السوريون جميعاً ، من كافة المنابت و المشارب ، ليقولوا وداعاً لذلك “السوري الآخر” الذي يشبههم في كل شيء.

“الفصل الأخير” لم تفته الإلتقاطات المهمة التي أتت مع جنازة حاتم علي ، والتي عبر عنها جمال سليمان بدقة متناهية و تركيز شديد عندما أجمل دلالاتها في ثلاث نقاط مهمة :

( جنازة حاتم لها معاني كبيرة و عظيمة فهي كسرت مقولة أن الجمهور تافه و يحب الأشياء التافهة ، فهي احتفاء بقيمة الفن و الفكر و الثقافة ، كذلك فهي احتفاء بالفنان السوري الذي عبر دوماً عن مواقفه المؤيدة و المساندة للناس في أعماله ، والنقطة الأهم أنها أثبتت قدرة السوريين على أن يتوحدوا ، وعلى ماذا يتوافق السوريون ).

و رغم أن جنازة الراحل الكبير قد حملت جواباً مهماً على سؤال جمال سليمان الأخير حول ( على ماذا يتوافق السوريون ) إلا أنني لا زلت أعتقد أن هذا السؤال سيبقى مفتوحاً و سيبقى برسم السوريين ، كل السوريين للإجابة عليه ، خصوصاً و أنه يستدعي إجابات على أمور أخرى لا تقل استحقاقاً و أهميةً.

في “الفصل الأخير” تابع السوريون على الشاشة جمال سليمان و يارة صبري و ماهر صليبي و عزه البحره و سامر اسماعيل ، و لكن ضميرهم كان يسمع في أصوات هؤلاء الكبار أيضاً صدى أصوات كبار آخرين رحلوا مثل مي سكاف و عامر السبيعي لهم الخلود ، وكبار لازالوا بيننا مثل عبد الحكيم قطيفان و فارس الحلو و مكسيم خليل و جهاد عبده ونوار بلبل و كثيرين غيرهم ، لهم طول العمر ، ستبقى مواقفهم محفورة في وجدان السوريين دوماً.

قناة “تلفزيون سورية” ( بما تمثله ) في تبنيها لهذا العمل المهم عن حاتم علي أثبتت مشكورةً أنها قادرة على التعاطي و التفاعل مع تيارات أهلية و مدنية محسوبة على الطيف السوري المعارض ربما هي ( بما تمثله أيضاً ) ليست بالضرورة الأقرب لها فكراً ، وهذا أمر مهم وله دلالته الإيجابية المبشرة التي لا يمكن التغاضي عنها.

و إن كانت حكاية حاتم قد وصلت لفصلها الأخير ، فهل من فصلٍ أخير لعذابات و جراحات و مآسي السوريين ؟ و هل لازال واقعياً أن يحلموا بفصلٍ يرون فيه انتصاراً لكل قيم الحرية و الديمقراطية و العدالة التي قاموا لأجلها ، على كل أشكال الإستبداد و الديكتاتورية و الفساد ؟

نشمي عربي